خصم مؤجل

تم نشره في الجمعة 28 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

حين كانت غالبية الأردنيين تسكن بيوت الشعر ودور الطين، كانوا يشعرون أن نصهم مكتمل الشروط في اتساقه مع مساحات الشعور واللاشعور، الذي يتسم بطابع ومحمول إنساني صرف.

ففي القرى التي استقبلت أولى حملات التهجير من فلسطين في العام 1948 ومنها قريتِي مليح المستلقية قبل التوغل في قسوة الضياع والفاقة، لم تكن لدى الناس استفسارات عميقة تستدعي إجابات. فهم تسلحوا برؤية لا تختم قولها، بل تتركه مشرعا على آفاق مفتوحة، ظنوا أنها لن تنعطف صوب توتر ساقتهم إليه عنكبوت استرخوا في أحضانها، وهم لم يألفوا قداسة رغائبية أضفيت جزافا على وهم أخذ يستحوذ على حياتهم اللاحقة.

هذا ليس من قبيل تأبين الجمال في لحظة فقده وليس صمتا او رشّ سكر على العلقم.

علقم اردنيي اليوم هو وهمهم، هذه التسمية المشفرة لحوت صار هائل السيطرة مع تقدم الايام، فغشي الأردنيين بسديم أفقدهم شيئا فشيئا القدرة على إنتاج الزعامة، فأحلّ مكانها تابوهات تأبيدية للقائم، مع تقديس مجبول بقشرة التحضر. بهذا الوهم ومعه، انزلقت الجموع صوب منحدر سحيق هي الآن تتجرع ثمالته يأسا وعجزا في بلوغ الرجوع إلى نصهم الأصيل في ابتكار صنع القامات العالية.

اشتغل الوهم بمنهجية لا تكل، فروّج الأمل الذي صار له شيوخ ومدارس رسخت لدى الجموع قناعة مستقرة أن مسراها الوحيد هو من حصار إلى حصار، ومن وهم إلى آخر يتزيّا بالحداثة.

الوهم بدوره يعي أن ليس بوسعه أن يظل قدرا للأردنيين، لذا فهو يخشى يأسهم وأملهم، وهذا الأفق الواسع من الأسئلة المُلحّة اليوم.

أسئلة اليوم تخفي هجساً بندم وأحلام مُلحّة بعد عقود من اجترار الليل والعسس الذي يرسم دوائر قهر لدواخل الجموع التي تبدو اليوم كمن يضع صمغاً في أذنيه حتى لا تتسلل إليه صرخات واقعها وأنّاته.

تجليات البحث عن خلاص من عش العنكبوت صارت حقيقة ماثلة كاليوم السابع في حكاية الخلق، وبذا نرى اليوم بين ظهرانينا من يصف سيل الأسئلة بحلم ترتكبه مخيلة نخبوية، وليس قاع مجتمع الأرياف وامتداداته في المدن الملتبسة الهوية.

في نصهم الضجر يُقدم الأردنيون اليوم على انتحار رمزي ليتخلصوا من وهمهم الذي رسم أكذوبة كبرى يضعون ايديهم عليها اليوم.

منذ أيام كلوب والأردني يبحث عن إجابة منطقية لوجعه القادم من موروث مكتظ بالنواهي والمنع حتى صار إنسانا تراجيديا في حزنه واقتفائه الوهم، ما يُذكر بمأساة "أوديب" وفضاءاتها في البحث عن معنى معرفة المأساة ووعيها.

شاءت الأقدار أن تكون درب آلام أوديب في حلته الأردنية، مجللة بصخب العقيرة المرتفعة عن نجاحات الكينونة في مكان تحت الشمس، تماما كما كان نجاح أوديب في حل لغز أبي الهول وفوزه بمدينة طيبة وزواجه من الملكة جوكاست، ليصبح في ذلك استثناء، اذ لم يتسنّ لسواه إجابة سؤال إبي الهول الذي دفع كثيرون لأجله حياتهم.

كان الطاعون في طيبة إيذانا لبدء المأساة في اقترابها وهي تميط اللثام عن زيف سعادة أوديب الذي يخفق في معرفة أسباب كارثة الوباء لينتهي إلى إقدامه على فقء عينيه في سعيه لاستئصال حواسه الخادعة.

سيبقى الحلم يتخثر فيصير كابوسا‏، كما اجتمعت فكرتان مأساويتان في المطلق الأردني، أولاهما عذابات أوديب وعنكبوت الشاعر المصري عبدالرحمن الابنودي:

يا عنكبوتة كملي عشك

لا حد حيزيحك

ولا يهشك

يا عنكبوتة

انتي

وزعيقنا

واصواتنا

ودم أحيائنا وأمواتنا

هدي عشوشنا

وكملي عشك

لا حد حيزيحك

ولا يهشك.

sulaiman.alqbailat@alghad.jo

التعليق