في الفقر والفقراء

تم نشره في الأربعاء 19 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

عن نهج البلاغة للإمام عليّ بن أبي طالب (كرَّم الله وَجْهَه):

- "إنّ اللهَ سبحانَه فَرَضَ في أموالِ الأغنياء أقوات الفقراء. فما جاعَ فقيرٌ إلاّ بما مُتِّع به غنيّ".

- "وقد أصبحتمْ في زمنٍ لا يزدادُ الخيْرُ فيه إلاّ إدْبارًا، والشّرّ فيه إلاّ إقبالاً، والشّيطان في هلاك النّاس إلاّ طمعًا... اضْرِبْ بطَرْفِكَ حيث شئتَ من النّاس: هل تُبصِرُ إلاّ فقيرًا يكابد فقرًا؟ أو غنيًّا بدَّل نعمةَ اللهِ كُفْرًا؟ أو بَخيلاً اتّخذ البُخْلَ بحقّ الله وَفْرًا؟ أو متمرّدًا كأنّ بأُذنِه عن سَمع المواعظ وَقْرًا؟ أين خِيارُكُم وصُلَحَاؤكم، وأحرارُكم وسُمَحَاؤكم؟ وأين المتورِّعون في مكاسِبِهِم، والمتنزّهُون في مذاهبهم؟".

إنّ الفقرَ لا يَعْني الفقرَ المادّيّ. فكلّ ما يَحِدّ الطّاقةَ البشريّةَ ويُقزّمُ الإنسانَ نفسيًّا أو مادّيًّا أو روحيًّا أو وجدانيًّا هو فَقْر؛ وكلّ ما يستلِبُ حقًّا من حقوقِ الإنسان أو يَكبحُهُ أو يَقمعُهُ هو فَقْر.

فالمفهومُ أوسع من مجرّد الجوعِ أو العطشِ أو الضَّنَك تحت سيْفِ المجاعاتِ والأوبئةِ والتصحّر، وما إلى ذلك.

ولعلّه من نافلة القول إنّ رأس المال البشريّ هو قوامُ الوطن والأمّةِ والمجتمع. فإذا قُيِّد واستُنزِف من أجل قُوتِ يوْمِه ولقمة عَيْشه، تباطأ التّقدّم برمّتِهِ، وأصبحت التّنميةُ وَهْمًا في وَهْم.

ولا ننسى أنّ الّلاجئين، والمهجّرين، والمهاجِرين، والمقتلَعين من أرضهم – أيًّا كانت مصادرُ الهجرةِ والتّهجير، كتغيُّرِ المُناخِ والحروبِ والنّزاعات وضروبِ الاستبداد – هم في صُلب قضيّةِ الفَقْرِ والفقراء.

كيف نُساعد هذا الحَشْدَ من الفقراء؟ بالاكتفاء بالهِباتِ والتّبرّعاتِ والعطايا والتّكايا؟ لا ريْب أنّ الزّكاةَ بمفهومها الواسع تُساعدُ أيّما مساعدة؛ لكنْ في النّهاية نعودُ إلى المثلِ الصّينيّ القديم الذي يشجّع على تعليم الفقيرِ الصّيْد، بدلاً من أنْ يُعطى سمكة.

ذاك الحَشْدُ من الفقراء هو - للأسف – خارجَ الزّمان والمكان، وعلى الأخصّ خارجَ خُططِ التّنميةِ والاقتصاد. فلن يُساهمَ، إذًا، في أيّةِ تنميةٍ شاملةٍ أو مستدامة. ويا له من هَدْرٍ على كلّ صعيد!

وإيحاءاتُ ذلك وتداعِيَاتُهُ واضحةٌ فيما يتعلّقُ باستقرارِ المجتمعِ وأمانِه. فالكلّ يخسرُ إذا استمرّ الوضعُ على حالِه.

لا يُمكنُ أنْ يتقدّمَ المجتمعُ وأنْ يُنتِجَ حقًّا من دون أنْ يكونَ الجميعُ أصحابَ أسهمٍ فعليّة. فهذا مبدأ إنسانيّ عام سَرَى ويَسْري منذ القِدَم. وإلاّ، فكيف ينمو الانتماءُ والولاءُ للوطن؟ أفلا يتعلّقُ ذلك بمفهومِ المواطَنةِ في أُسّ أساسِه؟

نعم؛ هي الاعتباراتُ العمليّة، التي تُخرجُنا من دائرةِ القوْل إلى دائرةِ الفعلِ المؤثّر.

هنا يأتي مبدأ القانون في خدمة الجميع ومفهوم التّمكين القانونيّ للفقراء المُتجذّر من أَلفِهِ إلى يائِه في هذه الاعتبارات من آليّاتٍ وجداولِ أعمال ومشروعاتٍ واستراتيجيّاتٍ للتنفيذ. فهنالك أُطُرٌ عمليّة للوصول إلى العدالة، وحقوقِ المِلكيّة، وحقوقِ العمل، وحقوقِ ممارسةِ الأعمالِ التّجاريّة.

والأجدى أنْ نتحرّك في هذا الشأن من القاعدةِ إلى القمّة، وليس العكس. فالفقراء أدرى بِشِعابِهم وهمومِهم واحتياجاتِهم؛ لأنّهم هم الذين يجب أنْ يطبعوا القانونَ المنشود بطابَعِهم حتّى يُخلّصوا أنفسَهم من الفقر. ولنْ يكتملَ الأمرُ من دون اهتمامٍ بالوسائلِ والآليّات، بما في ذلك الوسائلُ والآليّاتُ غيْرُ التّقليديّة؛ أي المبتَكَرةُ والمُبدِعة.

والأملُ أنْ يتحلّى النّاتج بالمرونة الكافية لتصويبِ نفسِهِ بنفسِه. ولن يكونَ ذلك إلاّ بالممارسةِ والتّطبيق بنزاهةٍ كاملة.

إنّ الموضوع أكبرُ ممّا يُظنّ لأوّل وهلة. فعدا التّشريعات الذّكيّة والحكيمة، المنطلقة من تراكم الخبرةِ والممارسة، هنالك عالَمٌ واسعٌ يستحقّ العنايةَ من مدارس، ومعاهد، ومستوصفات، وخِدماتٍ اجتماعيّة، وحتّى بنوك للفقراء وبنوك طعامٍ للجياع، كما حُقِّق فعلاً في ماليزيا ومصر.

إنّها دعوةٌ إلى القطاعيْن العام والخاصّ، وإلى المجتمع المدنيّ؛ أي الفضاء الثّالث. فلا يُعقَل أنْ نَشنَّ حربًا شاملةً على الفقر في كلّ مكان من دون التّكافلِ والتّعاونِ والتّضافرِ بين جميع القطاعات.

ولا بدّ من أنْ تتواءَم الجهودُ المحلّيّة مَعَ الجهودِ الدوليّة. فالفلسفةُ واحدة، والإنسانيّةُ مشترَكة، والنّسيجُ واحد. فالمسبّبات – من قَبْلُ ومن بَعْدُ – واحدة. ولعلّ أهمّها التّغيُّرُ العالميّ في المُناخ، والهِجراتُ المختلِفة، وشُحّ الموارد فوْق القطريّ، بل فوْق القارّيّ أحيانًا.

إنّ مشروع التمكين القانوني للفقراء هذا يَهدفُ إلى شنِّ حملة شاملة ليس فقط ضدّ الفقر، وإنّما أيضًا ضدّ الإقصاء والتّهميش من كلّ نوعٍ ولون. فهي البدايةُ لسيْرورةٍ لنْ تتوقّفَ بإذنِهِ تعالى للإصلاحِ الشّامل.

(تأتي هذه المقالة بمناسبة إشهار النّسخة العربيّة من كتاب "من أجل قانون في خدمة الجميع" - تقرير لجنة التّمكين القانونيّ للفقراء- في عمّان؛ 16 أيار 2010.)

* رئيس منتدى الفكر العربيّ وراعيه؛ رئيس منتدى غرب آسيا وشمال إفريقيا؛ عضو في لجنة التمكين القانوني للفقراء؛ سفير الإيسيسكو للحوار بين الثقافات والحضارات؛ رئيس شرف منظمة المؤتمر العالمي للأديان من أجل السلام.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القانون في خدمة الجميع ومفهوم التّمكين القانوني (د أمل محمد علمي بورشك)

    الخميس 20 أيار / مايو 2010.
    عنوان يبعث الأمل في نفوس الناس , ويشبع التعطش إلى خدمة المجتمع لدى المعطائين , يشير في مضمونه إلى الاعتماد على تعليم الصيد , للخروج من الفقر بالعمل , والتخلص من سلبيات الهبات والعطايا والتكايا , لأنهاأحيانا تسيء نفسيا لآخذيها , فلسفة عميقة لعالم جديد مليء بالتحديات والعقبات , والتي قد تجرفنامعها نحو محركات التغيير العالمية لنقترب من الفقر , و قد لانكون بعيدين عنه في أي لحظة , فمن تغير مناخي قد يؤدي إلى شح المياه , وزيادة في السكان يرافقها التمدن والتخلص من النفايات , وشح في الطاقة , ولكن مقالة سمو الأمير الحسن بن طلال , تعيد النظر في تحقيق اللبنة الأولى للمستقبل ليكون القانون في خدمة الجميع ويعزز مفهوم التمكين القانوني , رؤية مشرقة لمستقبل مقبل لامحالة على التغيير وفقا للضخ الجنوني لمحركات التغيير ,,,
  • »الشئ من معدنه لا يستغرب. (طارق أحمد محمد عمرو)

    الأربعاء 19 أيار / مايو 2010.
    يكتسب مقال سمو الأمير(المفكر)الحسن بن طلال في (الغد:19/5/2010) عن (الفقر والفقراء) نكهة خاصة؛فالمقال فضلا عن جودة سبكه وسلاسة ألفاظه وأصالة مراجعه؛فهو يعالج شأنا عالميا ملحا يجتاح بشبحه الأسود(الفقر) قارات بسكانها وقطانها.
    الفقر كاد أن يكون كفرا،كما أنه لو تجسد رجلا بين الناس لحل قتله؛بمعنى آخر:الفقر مشكلة لا بد من حلها من جذورها ،وفي أضعف الأيمان التخفيف من آثارها المجتمعية الكارثية.
    الفقر ينتج الجهل والمرض والذلة والمسكنة ويجلب الشر وينشر الرذيلة ويهيئ الأسباب الموضوعية لاحتلال البلاد ونهب الموارد من قبل الطامعين المتربصين.
    دول كبرى في عهودها الزاهرة تم التسلل لاحتلالها تحت وطأة الفقر الذي حل بها.
    لذا فقد دق الاسلام ناقوس الخطر لمحاربة الفقر بشتى الوسائل النافعة المشروعة كالعمل النافع المنتج،والزكاة وغيرها.
    لا أستغرب مقال سمو الأمير فهو سليل صاحب (نهج البلاغة)؛علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛والشئ من معدنه لا يستغرب.
    طارق أحمد محمد عمرو
    [email protected]
  • »حمى الله اردننا الحبيب (أبو هاشم)

    الأربعاء 19 أيار / مايو 2010.
    نعم مصطلاحات في العمق لمشكلة اجتماعية مزمنه عبر العصور ، الفقر لا يعني فقط الجوع و انما يشمل الخوف من اصحاب النفوذ من ابتزاز ومن الاستغلال و بالتالي الشعور بعدم الامان و التهميش الاجتماعي و التعرض للاستغلال.
    و المشكلة الاعظم حيث ان من الغير المسموح حتى التعاطف مع الفقراء في الانظمة الشمولية (نسأل اللة العفو و العافية).
    و بالتالي ارى يا سيدي ان الحلول قمة الهرم الى القاع حيث ان اغلب الفقراء ( كما جاء بتعريف الفقر ) منشغلون بقوت يومهم و لا سيما ممن تعرضوا لمصادرة كرامتهم كخطوة تمهيدية و من ثم مصادرة قوتهم كخطوة لاحقة.
    حمى الله اردننا الحبيب من الفقر و تبعياتة و جعلة مستقراً شامخاً أمناً ضد عواصف الفقر وتبعياتة.
  • »أعانهم الله (شيرين)

    الأربعاء 19 أيار / مايو 2010.
    ان الحديث عن الفقر يطول...ولكن الفقير يتعلق بكل كلمه...حتى الكلمه تبعث في قلبه الأمل لغد أفضل ولو بقليل
    هذا ما جنته ظروفه التي خلق فيها وعاش لها ونازعته الحياة معها
    جعلهم الله من الصابرين وأعانهم على تكاليف الحياة حتى الممات
  • »الغلاء ةالفقر مفتعلان ..الفساد ألية لجر البلاد الى حرب أهلية (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الأربعاء 19 أيار / مايو 2010.
    ليس الفقر عيبا ..ولكن العيب أن يكون الفقر مفتعلا من قبل الأنظمة لغايات في نفس يعقوب ..وأن يكون الغلاء مفتعلا لأشغال وقت رب الأسرة للسعي الى عمل اضافي ليلهيه عن التفكير ، ولشل حركته السياسية ، وخاصة الحزبية لآن الواجب يحتم عليه مضاعفة نشاطه العملي ليتمكن أن يضع فتات الطعام على مائدة الأولاد بدلا من الأجتماعات السياسية أو غيرها . وان التقيا الفقر والفساد من المؤسسة فهاتان التركيبتان معا من الممكن أن تششعل حربا أهلية تقضي على الأخضر واليابس ..والطامة الكبرى هي عندما يكون في الداخل مؤسسات تعمل لحساب دول أجنبية من صالحها اشعال الفتن والمؤامرات والضغينة ..هؤلاء هدفهم جر البلد الى حرب قاتله ربما تضر بالوطن والنظام والشعب - لا سمح الله