عيسى الشعيبي

أبعد من الأنف أقرب إلى الحتف

تم نشره في الجمعة 23 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

 

تخيّر أيهذا الفتى من أين تبدأ قراءة يوم أمسك، فأنت قبل نيف وعشرين خريفاً سابقاً على عشرينك الثانية، كانت الحكمة عندك أن تكون سبّاقاً إلى التهلكة، خالي الوفاض من كل حكمة، يوم كنتَ في حينه لا تعرف من دنياك ما هو أبعد من أنفك، ولا ما هو أقرب من شفير حتفك بظلفك؟

كنتَ تعتقد أيهذا الفتى، الذي كنتَ في بدايات عشرينك الأولى فتى أصغر وأنقى وأجمل، أن العصافير المغردة على شجرة التفاح باب بيت الطين كانت تغرد لك لا لغيرك، وأن القمر حين يكتمل بدراً، كان يرافقك وحدك في الإياب المسائي المبكر، إلى أن يوصلك سالماً إلى حضن أمك، وأنه كان يقعد قبالتك عبر النافذة الصغيرة لك وحدك، إلى أن تهدهدك عائشة بحلمها الجميل وبالها الطويل، إلى أن يهدأ فيك سرك.

والآن، حيث تفتقر كما الرجال إلى الوقت والصبر والخيال، على نحو ما تفتقر إليه النساء من وفاء وحب وتواضع ودلال، يبدو أن كل أمر تبدل. فقد صار الخروج على النص أكثر، غدر المحبين للمحبات أصبح أوجع فأوجع، والقانون يا لهول المفارقة بات لا يحمي المغفلين، والصحافة غدت تضحك في سرها كلما زعم زاعم أنها السلطة الرابعة. فتعلم أيهذا الفتى الذي يحب دائماً أن يتعلم.

لا تملأ نفسك خيبة بعد اليوم، وواسِ نفسك بنفسك وتجلد ما في وسعك. فلو أنك كنتَ وإياها حيوتين عاشتا في العصر الهلليني، أما كنتَ ستؤمن ربوبيتها، تبتهل إليها، تقطع من المرفقين يديها لتغدو أكثر حكمة وجمالاً ونبلاً.

هب أنك عشتَ وإياها في جاهلية العرب الأولى، أما كنتَ ستسعى نحو مضارب قبيلتها أشعث ومهلهلاً؟ أما كنتَ ستقبل أن ترعى إبل أبيها، وتصب القهوة لضيوفه، وتقيم لها تمثالاً من تمر في باب الكعبة؟

ماذا لو أنك كنتَ وإياها في عهد هارون أو المأمون، أما كانت شهرزاد ستأخذها من يدها، وتتوجها ملكة للثقلين والبحرين والبرين والعراقين وبلاد الفيلة، وأنتَ ستبقى في حضرتها، إما حطاباً يقتله البرد، أو سقاء يهلك عطشاً والماء محمول على ظهره؟

كيف لو أنكما تقابلتما في العصر الفكتوري على متن صفحة من رواية لتشارلز ديكينز، أما كنتَ ستخلع قلبك بين يديها؟ أما كنتَ ستخبئ وجهك، كلما رغبتَ في البكاء بين راحتيها؟ أما كنتَ ستضيّع نفسك من أجل حبتي الكرز المعقودتين بإحكام في شفتيها؟

لذا عليك أن تحمد ربك أكثر، أن تشكر الظروف الموضوعية، والصدف التاريخية التي لا تتكرر. فأنتَ تعيش في العصر المعلّب، في هذا الزمن اليابس والوقت الضائع، في عصر الاستبداد والوجع البارد.

ما عليك اليوم سوى أن تسترد وعيك بالتوازنات، وأن تستكمل المفاضلة بين سائر الاحتمالات. وإن سألك سائل كيف حالك قل لا بأس ولا تتظلم. فحق البيض الراعفة، والنار ذات الشرار، أن الرهان على ما لا يحتمل وقوعه إلا لماماً كان يستحق الرهان، وأن خوض الغمار، ذوداً عما في خزانة القلب، يظل أمراً يستحق المغامرة في كل زمان.  

[email protected] 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت يا استاذ عيسى (مازن صالح)

    الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2015.
    تسبق ايامك. وحياتك وتتفوق على خيالك بالابعاد الجمالية للكلمات الرائعه والمعبرة والهادفة
  • »SMILING AND LAUGHTER (mohammad)

    الجمعة 23 نيسان / أبريل 2010.
    ألذي يطلب حق اُلحقّ لا يتظلّم... ولا هو يبدي اُلنّدّم ... على شيئٍ
    كان كالسّراب ... هو لم يُصدم كان حاسباً للمآب ... زاده وزوّاده محسوب... من رازقِه مكتوب ... فبقى يا صديقي ... ها أنا يا رفيقي
    ... لم أتغيّر ... ألنار قريبة منّي ... لا أجبن ... أطفِؤها بكلّ ممكن ... أمّا أن تعود فلسطين ... بالكلام ... بضحكات اُلإخوان ...
    وتحدّي اُلطّبيعة والطّبائع ... صدّقني هذا غير نافع ... ألست معي
    بأن اُلإدراك ثابت ... ألمتغيّر هو حال اُلثّابت ... هذا ناموس اُلطبيعة... لا نجيد فيها اُلقراءه ... ألسراب نخبُره مرّه ... ثم بعد المعرفة
    والإختبار ... ماذا تُسَمّي اُلاستمرار ... هل هو اُلصّبر ... هل له عند
    الله أجر ... هدانا الله جميعا ... عيسى أحببتك ... في الله أحببتك ...
    دمت أيها اُلصديق ... حكيماً بالغ اُلحكمة ... أديباً بدون لَبْكَة