جميل النمري

دروس التأمين الصحي من أميركا

تم نشره في السبت 3 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

في استطلاع للرأي أول من أمس، قالت نسبة الثلثين من الأميركيين إن مشروع أوباما لتوسعة التأمين الصحّي مكلف جدا، وهو كذلك فعلا، وبنسبة عدد السكان فهو مثل أن نزيد الانفاق على الرعاية الصحية عندنا في السنة الواحدة بليونا وثلاثمئة مليون دينار، مع العلم أن مجموع الإنفاق السنوي العام والخاص على الصحّة حاليا هو بليون ومائة مليون دينار.

كلفة الفرد في أميركا سنويا من الانفاق الصحي تقترب من 29 ضعف الكلفة عندنا، فهي عندهم 7290 دولارا للفرد وعندنا 253 دولارا، وليس الفارق بسبب تقدم مستوى الرعاية الصحّية، ولا الفارق في القيمة الشرائية للعملة أومتوسط دخل الفرد، وهو تقريبا عشرة أضعاف متوسط دخل الفرد عندنا، فمقارنة مع دول تحتل فيها كفاءة ونوعية وشمول الرعاية الصحيّة موقعا متقدما على الولايات المتحدّة، فإن معدّل الإنفاق الصحي على الفرد هو أقلّ من الولايات المتحدّة.

تحتل الولايات المتحدة الموقع 37 من بين 191 دولة في مستوى الرعاية الصحّية للمواطنين. ويبلغ الإنفاق على الصحّة في القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة 750 بليونا سنويا أو 16 % من الناتج المحلي الاجمالي بينما يراوح بين 3500 دولار الى 6500 في أوروبا. ويبلغ في افضل دول أوروبا من حيث الرعاية الصحيّة متوسط 10 % من الناتج المحلي الاجمالي ( في الاردن يقترب من 10 %)، والتأمين الصحّي في الولايات المتحدّة تقوم عليه غالبا شركات التأمين الخاصّة، بينما التأمين العام يشمل أقلّ من ثلث السكان. والمؤسسات الصحّية عموما هي قطاع خاص بعكس أوروبا التي ما تزال فيها معظم المستشفيات قطاعا عاما، والتأمين العام هو الغالب (وكذلك الحال في الأردن)، ولهذا السبب استمرت كلفة التأمين الصحي وكلفة العلاج في الولايات المتحدة تتصاعد الى مستويات خيالية، فالأطباء والمستشفيات يرفعون كثيرا أجورهم ويلحقهم التأمين برفع أقساطه في متوالية منهكة.

الدرس المستخلص ببساطة هو بقاء التأمين الصحّي العام كأساس للرعاية الصحيّة وتدعيم مؤسسات القطاع العام الصحّي مع تجويدها ورفع كفاءتها، لأن ترك الأمر لقوى السوق الحرّ سيرفع بصورة متوالية كلفة الرعاية الصّحية كثيرا. وقد تكون الجودة افضل لنسبة ضيقة من المقتدرين بينما تفقد نسبة كبيرة كل فرصة للرعاية الصحيّة.

المعارضة لمشروع أوباما، الذي أصبح قانونا، لا تأتي فقط من الفئات العليا والوسطى التي لا تريد تحمل كلفة تأمين الفئات الدنيا، فالقانون يحوي نقاطا للرقابة على الأجور وللحدّ من استغلال شركات التأمين. وسوف تساهم مصانع الأدوية في الكلفة ( 16 بليون دولار سنويا) وشركات التأمين الصحي ( 47 بليون دولار)، وستدعم الدولة أقساط التأمين للأقل دخلا. ولا يحوي المشروع إنشاء صندوق عام للتأمين الصحّي رغم مطالبة يسار الحزب الديمقراطي بذلك، أمّا اليمين فاتهم أوباما أنه يريد جعل أميركا اشتراكية ورفع يافطات تتهمه بالشيوعية.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مداخلة (ياسر عبيد)

    السبت 3 نيسان / أبريل 2010.
    الاستاذ جميل اشكرك على التحيليل والربط الجميلين لكن كنت اتمنى ان لا تكتفي بذلك وان تخرج بمقترحات يمكن ان نستفيدها من التجربة الامريكية هذه واسقاطها على واقعنا في الاردن حيث ان مسألة التأمين الصحي تطال شريحة واسعة جدا من الاردنيين ونحتاج لافكار وطروحات تهدف لتطويرها
  • »صحيح مائة بالمائة (حمدي مطارنة)

    السبت 3 نيسان / أبريل 2010.
    أريد أثني بشدّة على مقال الأستاذ جميل النمري وأشكره على الموضوعية العالية في كتاباته المفيدة دائما، وفي هذا الموضوع تحديدا أريد أن أقول لأبناء بلدي وللمسؤولين حذار وحذار من أخذ النموذج الأمريكي في التأمين الصحّي وأتبعوا النموذج الكندي ونموذج شمال أوروبا الذي يعتمد اساسا على التأمين الصحّي العام وأقول عن خبرة 30 سنة من الحياة في الولايات المتحدّة أن الأمريكان لسبب ايدلوجي في الواقع رغم عدم انتباههم لذلك ورطوا أنفسهم في مصيبة صحية، اي انفاق عالي جدا ربما أكثر من أي دولة في العالم ومردود محدود. ان أي عملية تجميلية أو زرع أسنان يكلف ثروة ويندر أن يغطيها التأمين بينما يمكن ان يموت الانسان بسبب السرطان أو أمراض القلب أو الكلى لأنه غير مغطّى بالتأمين الصحي ولا يقدر على كلفة العلاج،وأنا آتي بأستمرار الى الآردن وقد أدهشني أن كل شخص يحتاج الى ادخال للمستشفى أوعملية أو علاج سرطان يجدا فورا تغطية حتّى لو لم يكن له تأمين وذلك من خلال الديوان الملكي وهذه نعمة لا تقدر بثمن. والتأمين الصحي الجيد غال جدا جدا وفي بعض الولايات تغطي الولاية فقراء بالتأمين في ظروف معينة لكنها تدفع مقابل ذلك للأطباء والمستشفيات في القطاع الخاص مبالغ باهضة جدا جدا ولذلك بالضبط كما أشار الأستاذ النمري تصبح كلفة الرعاية الصحية في أمريكا عالية جدا وأكثر من كندا مع أنه في كندا هناك تغطية شاملة وممتازة لعموم المواطنين بالتأمين الصحي لكن كندا تأخذ بأسلوب الدول الاسكندنافية. وفي الاردن أعتقد ان الرعاية الصحية ممتازة من حيث اتساع التغطية لكن يجب تحسين نوع الأداء في القطاع العام ولو فكرنا كم يوفر ذلك من حماية صحيّة لوضعنا كل اهتمامنا على تطوير القطاع العام الى افضل المستويات