الوجود الأرمني بيننا

تم نشره في الجمعة 2 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

في زيارة الى الاسكندرية في أواخر 2009 أتيح لي أن أحضر في مكتبة الاسكندرية معرضا استعاديا لفنان الكاريكاتير المعروف ألكسندر صاروخان ( 1898-1977) الذي أصبح أستاذا لاجيال من الفنانين في مصر وخارجها.

وأعترف هنا انني اكتشفت بهذه المناسبة أرمنيته، حيث إنه ولد في أرمينيا ونشأ في تركيا ودرس الفنون في النمسا وقضى معظم حياته في مصر التي وصلها في 1924 للمشاركة في اصدار جريدة جديدة مع ناشر مصري تعرّف عليه في فيينا. وقد اكتشف صاروخان هناك الوجود الارمني القوي في القاهرة وأصدر أولا جريدة باللغة الارمنية قبل أن يتعرف في 1927 بمحمد التابعي الذي فتح له أبواب الصحافة المصرية ("روز اليوسف" و"اخبار اليوم" الخ).

ومع أن الوجود الارمني في مصر، الذي كانت له جذوره التاريخية منذ الدولة الفاطمية، قد انحسر في النصف الثاني للقرن العشرين، إلا أن صاروخان بقي رمزا حيا لهذا التواصل التاريخي والثقافي بين الأرمن والعرب.

وبالمقارنة مع مصر يلاحظ أن الوجود الارمني بقي متماسكا في بلاد الشام، وبالتحديد في سورية ولبنان والاردن. وعلى الرغم من انتشار هذا الوجود وتماسكه الاجتماعي والثقافي، الا أن الاحساس به وتقديره يتم عادة في المناسبات، حيث يتم الكشف عنه بين حين وآخر مع أنه يستحق أكثرمن ذلك.

ومن هذه المناسبات كانت زيارة رئيس جمهورية أرمينيا سيرج سركسيان الى سورية خلال الاسبوع الماضي، حيث حرص الرئيس الارمني أيضا على تفقد أحول الارمن الشوام في دمشق وحلب ودير الزور، حيث لهم مؤسساتهم الدينية والاجتماعية والثقافية التي حفظت لهم هويتهم الاثنية التي تعتبر من مكونات النسيج السوري والشامي بشكل عام. ومن هنا لم يستطع الرئيس سركسيان بعد زيارته للمناطق التي يتمركز فيها الارمن في سورية سوى أن يصرح أنه "لم يشعر انه خارج أرمينيا".

وبموازة هذا "الاكتشاف" للرئيس الارمني كان الجانب العربي يكتشف بدوره مع هذه الزيارة الإسهام الارمني في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة الذي يتمثل في كوكبة من الاسماء والنجوم التي لاتعرف خلفيتها الارمنية لاعتبارات شتى منها تغيير الاسماء الارمنية التي كانت وما تزال تميز الارمن.

واذا عدنا الى الثقافة العربية الحديثة نجد لدينا كوكبة من الرواد مثل رزق الله حسون الحلبي ( 1825-1880) الذي أصدر عام 1854 أول جريدة عربية في استنبول (مرآة الاحوال) وفرنسيس مرّاش (1836-1873) وأديب اسحق (1856-1885 ) الخ .

ولكن الاسهام الارمني يبدو بارزا في الثقافة المعاصرة وخاصة في مجال الفن، حيث برزت فيه أسماء معروفة قد لايعرف أحد الاسماء الحقيقية منها. ومن ذلك لدينا الفنان المعروف سلوم حداد الذي أبدع في تجسيد الشخصيات العربية التاريخية مثل الزير سالم والمتنبي الخ. ومن هذه الاسماء لدينا المطربة ربا الجمال التي رحلت مؤخرا (الاسم الحقيقي لها زوفيناز كره بيديان) والمطرب شادي جميل ( الاسم الحقيقي له جورج جبران) وغيرهم.

ومع هذه الاسماء، وهي غيض من فيض، يبدو لنا مدى التداخل والتواصل الاجتماعي والثقافي بين الارمن وموطنهم الشامي الذي أصبحوا من مكوناته. ومن المأمول أن يكون هذا الوجود الارمني بيننا ملحوظا ومقدرا باستمرار وليس في المناسبات فقط.

وان كان هناك شيء يميز زيارة الرئيس الارمني الى سورية عن غيرها من الزيارات فهو انها جاءت بعد تحول العلاقات بين سورية وتركيا من العداء الكامن الى التعاون الاستراتيجي، كما انها جاءت بعد توقيع الاتفاق التاريخي بين تركيا وارمينيا لتطبيع العلاقات بينهما. وبعبارة أخرى لم تعد زيارة الرئيس الارمني الى سورية تستفز أحدا (تركيا) كما كان في السابق، بل إن الرئيس بشار الاسد أعرب بهذه المناسبة عن استعداده أيضا لـ "المساعدة ببناء علاقات أرمينية- تركية طبيعية".

[email protected]

التعليق