قضية المصفاة... خطوة أولى أم بيضة ديك؟

تم نشره في السبت 6 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

بعد أن صرنا مقتنعين أن الأردن حالة (عجائبية) بسبب حديث الجميع عن الفساد من دون وجود فاسدين، غيّرت حكومة الرفاعي الحال واقتربت من الكشف عن بعض وجوه الفساد وأشخاصه، وتحول الفساد من شبح نطارده إلى كائن نحاكمه، وما كان مجرد شعارات في الحكومات السابقة، تحول إلى خطوات أولى مع حكومة دولة سمير الرفاعي، لأن التحقيق مع مجموعة من الأشخاص لهم علاقة مباشرة بملف توسعة المصفاة واختيار الشريك الاستراتيجي لا يشكل إلا خطوة أولى في الحرب الطويلة والطاحنة على الفساد، هذه الحرب التي يجب ألا تتوقف عند هذه المحطة بل يجب أن تتوسع كي تطاول فاسدين في مواقع وقضايا مختلفة.

استطاعت حكومة سمير الرفاعي خلال الأيام القليلة الماضية استعادة تماسكها والقيام ببعض الخطوات التي استعادت بعضاً من شعبية الحكومة التي استنفدت سريعاً، وربما أدرك الرئيس الرفاعي أن الحكومة التي يقع على عاتقها اتخاذ قرارات غير شعبية يجب أن تتمتع بشعبية جيدة كي تستطيع إنفاذ قراراتها، وكان ملف الفساد في قضية المصفاة يطبخ على نار هادئة وبسرية عالية، وذلك كي يحصن الرفاعي الحرب على الفساد بإرادة سياسية عليا يستطيع من خلالها اقتحام الأسوار المحصنة لقلاع الفساد التي لم يستطع رئيس من قبله الاقتراب منها.

ولكن لابد من أن تدرك الحكومة عدة حقائق لا يجوز تجاهلها حتى لا تفقد بداية الحرب على الفساد دلالاتها وزخمها، فالحرب على الفساد لا يجب أن تتوقف عند أسوار مصفاة البترول بل يجب أن تتجاوزها إلى ملفات أخرى ساخنة وفيها شبهة فساد، وذلك ضروري كي لا تتحول قضية المصفاة إلى مجرد بيضة ديك، أو إلى مأخذ يستطيع كثيرون من خلاله التشكيك في النوايا الحقيقية الدافعة لفتح ملف المصفاة من دون غيره من ملفات الفساد المعروفة والكثيرة.

كما أنه من الضروري أن لا تتحول الحرب على الفساد إلى ساحة إعدام ميداني للشخصيات العامة، وهو ما يعني ضرورة الحرص على كيفية التعامل مع القضية إعلامياً، وكذلك قانونياً، حيث من الضروري أن يكون التحقيق في مثل هذه القضايا ملتزماً بالنصوص القانونية التي تنظم آلية التحقيق، وأن يكون تأسيس القضية وبناؤها قانونيين بحيث يكون القضاء الأردني العادل والمستقل والنزيه هو الفيصل في هذه القضايا، وإذا ما ثبت براءة أحد المتهمين في قضايا فساد أو عدم مسؤولية، فإنه من الواجب أن يتم إعادة الاعتبار إليه.

وعلى الحكومة العمل بصورة جادة لإنجاز تقدم ملموس في ملفات أخرى ضرورية، كمعالجة الميزانية والتفكير الخلاق بحلول حقيقية للأزمة المالية التي يمر بها الأردن بعيداً عن جيوب المواطنين، والتحرك بصورة فاعلة في ملفات التعليم وتقليل العنف الاجتماعي والإصلاحات السياسية الضرورية لضمان إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الذي أشارت إليه أكثر من مرة، كل ذلك يتطلب من الحكومة كفريق أن تخلق أجواء مريحة للحوار العام والنقاش الجاد كي تسمع مختلف الآراء والتوجهات داخل الجسم الأردني، خصوصاً في ظل حل مجلس النواب.

كما أن على الحكومة أن تراقب أداءها وتحاسب من يقصر من فريقها، وليس من الخطأ أن تتأكد من خلو جسمها من مواضع فساد، فهي غير محمية من الإصابة بهذا المرض، كما أن على الرئيس أن يتخذ إجراءات حاسمة كي يصبح الفريق الوزاري جسماً واحداً، ويقلل من مساحة الخلاف بين أعضائه من دون محو الاختلافات، وأن يضبط إيقاع أداء الفريق الوزاري بصورة يدرك معها الوزراء أنهم محاسبون على ما يصدر عنهم من أفعال أو أقوال.

محاربة الفساد تكسب الحكومة شعبية هي بأمس الحاجة إليها الآن، ولكن هذه الشعبية يمكن أن تتلاشى بسرعة اكتسابها إذا لم تعرف الحكومة كيفية المحافظة عليها وتعزيزها، من خلال محاربة الفساد بصورة منهجية ومستمرة في مختلف معاقله، وتحسين الأداء الحكومي وتحقيق إنجازات حقيقية في الملفات الداخلية الساخنة التي تمس الحياة اليومية للمواطن.

roman.haddad@alghad.jo

التعليق