أكاديميا.. ثلاث حكايات وعالَمان!

تم نشره في السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً

ليست هذه صفحة الملحق الأدبي، ولذلك لا استنهض هنا مخيلتي القصصية. سأحكي لكم ثلاث حكايات حقيقية جداً عن "الأكاديميا"، آملاً أن تستبعدوا "الشخصنة" بسبب استخدامي ضمير المتكلم بقصد الإسناد، وليس الاعتداد. المهم؛ حين عدت، متأخراً، لإكمال دراستي الجامعية، وأثناء دراستي مساقاً في تذوق النص الأدبي باللغة العربية، خطرت لي فكرة مقاربة خلتها معاصرة المنظور لشخصية الشاعر العبقري الشنفرى، من خلال قصيدته الرائعة "لامية العرب"، وذهبت مزهواً بفكرتي إلى أستاذي (المتنور لأنه درس العربية في لندن)، متشجعاً بمعاملته الخاصة واحترامه لي، وأخبرته عن "أطروحتي". وبعد أن استمع إلى فكرتي بضيق ونصف أذن، تذرع بالانشغال ووعد بمحاولة قراءة مقاربتي بعد شهرين، أي بعد انتهاء الفصل الدراسي بشهر. وبالطبع، لم يشاهد أوراقي، وضاعت تلك الأوراق الآن ولم يضع إحساسي بأكثر من الخجل. (ما أزال أعتقد بأن الأطروحة كانت مهمة).

القصة الثانية، هي اختياري، ثانية، دراسة مادة في العربية أيضاً، عنوانها "فن الكتابة والتعبير". وقد اخترتها معتقداً بأن لي إلماماً بهذا الشأن، مما يجعل دراسة المساق رياضة وفرصة لتحصيل علامة ممتازة. وكانت النتيجة أنني حصلت على تقدير "ب" (ليس "أ" ولا "ب+")، وشاركتني التقدير نفسه زميلة صحافية محترفة تعمل في منفذ إعلامي مهم، عادت إلى الدراسة متأخرة هي الأخرى. وخامرتني فكرة أنني كنت "ماخذ في حالي مقلب"، حين توهمت بأن لدي بعض معرفة بـ"فن الكتابة والتعبير". وذهبت "الألفات والباء الزائدات" إلى زملائنا من جيل أبنائنا ممن نسخوا عن الكتاب في الامتحان، في غفلة عن الأستاذ كليل البصر، أن "أفضل أوقات الكتابة هو بعد صلاة الفجر"، حسب رأي كاتب المقرر الذي نتعلم منه "فن الكتابة". (بالمناسبة: كنت أنا وزميلتي مواظبين على الحضور والمشاركة).

أما القصة الثالثة، فمن أميركا. وطرفاها هما الأستاذ الناقد العظيم آيفور ريتشاردز، أستاذ جامعات كيمبردج وبيكينع وهارفارد، وتلميذه الذي أصبح من أبرز منظري "النقد الثقافي"، ويليام إمبسون، صاحب الكتاب الشهير "سبع طبقات من الغموض". وسأترجم لكم ما كتبه الأستاذ عن طالبه في إحدى المناسبات. كتب ريتشاردز: "كان إمبسون يدرس الرياضيات في كيمبردج قبل أن يتحول في السنة الأخيرة إلى دائرة الإنجليزية. ولأنه حول دراسته، فقد جعلني ذلك مشرفاً عليه. وتبين لي سريعاً أنه قرأ من الأدب الإنجليزي أكثر مما قرأت، وأنه قرأه بطريقة أفضل مني وأكثر حداثة. وهكذا، كان هناك خطر وشيك من أن نتبادل الأدوار". وبعد زيارته الثالثة لأستاذه، طرح إمبسون على ريتشاردز فكرة موضوع يعمل عليه. ويستأنف الأستاذ ريتشاردز: "وبينما يعرض طريقته لتفكيك "السوناتا" (القصيدة التي كان يعمل عليها)، وكما يخلع الساحر قبعته، أخرج سرباً من الأرانب النابضة بالحياة، وأنهى بالقول: "إنك تستطيع أن تفعل ذلك بأي شِعر، أليس كذلك؟". كانت تلك هبة جاءت من السماء بالنسبة لمشرف مثلي، فقلت له: "يفضل أن تذهب وتفعل ذلك، ألا تفعل؟". وبعد أسبوعين، عاد ومعه رزمة سميكة من مخطوط تحت إبطه؛ 30.000 كلمة أو نحو ذلك، أصبحت مركز كتابه. ولا أستطيع أن أفكر بأي نقد أدبي يتصف بمثل ذلك التماسك والتميز منذئذ". ويذكر ناقل القصة الموثوق أن ريتشاردز كان يعرف تأثيره على إمبسون، وهو صاحب مفهوم اللغة "الانفعالية" الذي ارتكز عليه تلميذه في استنباط مفهوم "الغموض"، لكنه نادراً ما ذكر صلة كتاب إمبسون بفكرته.

في ذهني قصة رابعة ربما أحكيها لكم فيما بعد عن الشاعرين "عزرا باوند" و"ت. س. إليوت" في سياق مشابه. ربما يفسر ما ذكرت لي ولأصدقائي السائلين سبب خوفي من الكتابة حتى الآن (وربما للكثيرين غيري). ولأساتذتي الرائعين النادرين الذين لا "يسوؤهم"؟ نجاح طلبتهم، أقول: أعذروني، لم أقصد التعميم. وأشكر خاصة أستاذتي الأميركية الزائرة التي درستني "الكتابة الإبداعية" بالإنجليزية، ووصفتني (جادّة) بالأنانية، حرفياً، لأني لا أنشر ما أكتبه. هل وصلتكم فكرتي؟ 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »:) (هيثم الشيشاني)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    الرسالة وصلت ... و بصوت مدوّ ٍ أستاذ علاء.

    ظني ان في جعبة الكثيرين الكثيرين منا حكايا من هذه الشاكلة، مع مزيد الأسف بالطبع!
  • »لا يأس مع الحياة (يوسف ابو جادو)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    اخي العزيز لقد تخيلت للحظة وانا اقرأ ماكتبته انني اقرأ جزءا من حكايتي فانا قدر لي لن اكمل دراستي الجامعية في وقت متأخر عن اقراني واصطدمت بعدد من الاساتذة الذبن كان ديدنهم الاحباط والتقليل مما لدي من معلومة فكنت عندما اطرح فكرة اظنها خلاقة مبدعة يقلل منها ويدعي ان لا علاقة لها بالمساق الذي ندرسه ولذك كنت اتجنب اي مشاركة في محاضرة ذلك الاستاذ وامثاله كما انني كنت احصل على اقل الدرجات في المواد التي يدرسوها لنا لكن ذلك لم يؤثر فيي ابدا لانني كنت اثق في نفسي وافكاري
    وفي الوقت نفسه كان هناك العديد من الاساتذة العرب الذين يشار لهم بالبنان في مجال تخصصي ( القانون ) كنت اجد عندهم كل الدعم والرعاية والاهتمام حتى ان بعضهم كان في كثير من الاحيان يكلفني بالقاء المحاضرة على الطلاب ويكيل لي شتى انواع المديح
    لا اريد ان اسهب في تعليقي على مقالكم وسأكتفي بما كتبت اما انت يا عزيزي فلا تتردد ولا تتأخر في الكتابة ونشر كتاباتك ودع القارئ يحكم على ما لديك فان كانت بضاعنك منافسة ( بلغة التجارة ) فستجد لها سوقا والا
  • »مقال رائع و رسالة قوية (خالد السلايمة)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    أسعد الله أوقاتك الجميلة أخي الكاتب,

    أشكرك من كل قلبي على هذا المقال الرائع و الهادف.

    يتهمني البعض أنني قاسي على العرب و على طريقة تفكيرهم و أسلوبهم في الحياة. و لكنني أجد أن الكتاب يكتبون ليل نهار عن مساوئنا و لكن لا "يلتكش" أحد إلا إلى تعليقاتي.

    يا أخي الكاتب, أبو عرب يخاف من نجاح تلميذه, بل و بالعكس يريد الأستاذ في بعض الأحيان "طفس" تلميذه حتى يبقى هو في الصورة و لا يظهر تلميذه أبدآ!! إنها عقد نفسية تلازم العربي منذ عصور الإستعمار و لم يتخلص منها إلى الآن!! أما في الغرب, فالأستاذ يكبر بكبر التلاميذ, و بالعكس, كلما تخرج تلاميذ نوابغ, سيكون هو فخور و إسمه يشتهر أكثر هذا الأستاذ الفذ, و لذلك يا أخي الكاتب, في الغرب يبحثون عن نقاط القوة عند فلان و علنتان و ينموها و يدعموها, و لذلك صارت أميريكا و الغرب ما صاروا عليه!!

    كنت قبل يومين قد علقت على مقال الأخ إبراهيم غرايبة عن الدياسبورا الفلسطينية و قلت له أن معظم زملائي في المدرسة الآن هم في أميريكا. و الفضل للفيسبوك, إستعدت الإتصال بالكثير منهم بعد 24 سنة من الإنقطاع, و الجدير بالذكر هنا أن كل هؤلاء الشباب تخرجوا من جامعات محترمة و في تخصصات محترمة و يعملون الآن في شركات محترمة. و صدقوني لا يوجد إستثناء! و لكن حين كنا بالمدرسة, كان البعض من هؤلاء "طشي" على الآخر. ماذا تفعل أميريكا في شبابنا لتحولهم من "طشي" إلى "مبدع"!!؟

    إنها العناية الفائقة بالمتعلم, إنها الرعاية الفائقة بالمتعلم, إنها الدعم المتواصل بالمتعلم, إنها إكتشاف نقاط القوة و تنميتها عند المتعلم. أما عندنا يا أخي الكاتب, خيبة من الآخر.

    أشكرك على طرحك مواضيع غاية في الأهمية و التي الناس في بلداننا تحتاج ان تسمعها حتى لا تظن أننا أول من وصل إلى القمر!!
  • »المعلم والتلميذ (يوسف العواد)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    في كثير من الاحيان يتفوق التلميذ على معلمه.واعتراف المعلم بذلك هي من الحالات الانسانية النادرة لا تتحقق الا من الاستاذ الذي يؤمن بان الابداع العلمي او الادبي غاية للسمو بهمامن اجل الحقيقة والجمال.الحقيقة والجمال صرح كبير ضخم يداعب الخيال ومساهمتنا به حتى الان ما هو الا بضعة احجار.او بعض قطع صغيرة من الفسيفساء تتناثر على هذه الحجار.
  • »كتاب المفهوم والتأثيل (سالم)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    بديع سيدي! وأدعوك للمزيد. فهل جربت القراءة لصاحب "فقه الفلسفة 2: كتاب المفهوم والتأثيل". أقصد العظيم طه عبد الرحمن. فهو أكثر من سحرني سحرا وما يزال في كل كتبه...مع اختلافي مع مضمونها طبعا.
  • »سبع طبقات من الغباء (امجد ابوعوض)

    السبت 30 كانون الثاني / يناير 2010.
    في طفولتنا انا واطفال الحاره كنا نعاني كثيرا من قدرتنا الماديه على شراء الكرات التي لا نفرح زمنيا باحداها حتى (تفقع) تحت اطارات السيارات , كنا ننوي ان نشتري (طابه ام السبع جلد) ولا اعرف لحد الان هل نجحت الصناعه بانتاجها ام لا , ولكن المهم ان دماغي الان هي عباره عن (طابه من سبع طبقات غباء) وذلك لأن فكرتك لم تصلني بعد رغم قرائتي للمقال اكثر من سبع مرات ,

    تمنيت لو ان هناك مع المقال (كريمات) تفتيح ادمغه ملحقه بتقنية قياس درجة التفتيح التي نصل اليها خلال مده محدوده كالتي نراها في دعايات (كريمات) تفتيح البشره حديثا,

    ولكن هل الفكره تتحدث عن الاساتذه والمقررات الي لا تشجع على الابداع في عالمنا العربي؟؟؟