الرزانة في التعامل مع القضايا الساخنة

تم نشره في الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً

 

حين يقرأ أغلب الناس كتاب “أحلام من والدي” لكاتبه باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة فإنهم يدهشون إزاء نهجه الفكري الرزين وتأملاته المكتوبة بلغة جميلة حين يتحدث عن حياته المبكرة وهويته. ولا أعني بهذا أن أوباما رجل غير عاطفي. فهو إنسان قد يغضب وقد يبكي. ولكنه نادراً ما يبدو وكأنه يعمل استناداً إلى مشاعر بحتة أو تحامل غريزي.

ونظراً لحسه العملي وذكائه البالغ فإن كل قضية تحظى إن عاجلاً أو آجلاً باهتمامه الكامل وفضوله المدقق. وحين نتذكر الإعلان التلفزيوني الديمقراطي الشهير الذي ألقته هيلاري كلينتون فلسوف يتبين لنا أن أوباما هو حقاً الرئيس الذي يريد أغلبنا أن يراه في ذلك المنصب المهم الذي يشغله حين يدق جرس الهاتف في الثالثة صباحاً لإبلاغه عن وقوع كارثة دولية. ومثل هذا الرجل لن يمنعه خوف من العمل، ولكنه سوف يكون مستعداً للتفكير أولاً.

لذا، فلا أظن أن أوباما قد ينزعج كثيراً إزاء بعض الانتقادات التي يواجهها الآن في نهاية العام الأول له في منصبه، ولكنه سوف يتألم بلا شك بسبب هزيمة المرشح الديمقراطي في الانتخابات الخاصة في ولاية ماساتشوستس لشغل مقعد تيد كينيدي القديم. لقد نال أوباما قدراً مفرطا من المديح قبل عام واحد؛ ولكن بعد مرور 12 شهراً أصبحت الانتقادات الموجهة إليه غامرة أيضاً.

لقد ورث أوباما تركة رهيبة ـ الركود، والانهيار المالي، والعراق، وأفغانستان. وهو لم يتمكن بعد من حل أي من هذه المشاكل. ولكن من الصعب أن نمسك عليه أية أخطاء كبيرة حقاً، ربما باستثناء سماحه لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالتلاعب به وإعطاء الصين الانطباع بأنه على استعداد لإقامة علاقات ثنائية معها بالاستناد كلياً إلى شروطها.

ولكن يبدو أن هذا قد تغير الآن. فربما أدرك أوباما أن من يشغل منصب قائد القوة العالمية العظمى الوحيدة فلابد وأن يخشاه الناس بعض الشيء إن كان يريد الفوز باحترامهم له.

إن اليسار في أميركا ينتقد أوباما لأنه لم يحول الاقتصاد نحو الوجهة المعاكسة. ويدينه اليمين في سورة من الغضب باعتباره شيوعياً متخفياً وذلك لأنه يريد حصول كل أميركي على الرعاية الصحية. ولكن إذا نظرنا بعين غير متحيزة إلى هذه اللعبة الطويلة، فهل نستطيع أن نتوصل إلى ما يدور في ذهن الرئيس حقاً؟

من بين القضايا التي يتعامل معها أوباما بقدر عظيم من اليقين والاهتمام هي في الواقع مشكلة خيمت على العالم لسنوات.

أثناء نشأتي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كان السلام العالمي قائماً على المواجهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وكان التقييم الاستراتيجي الأساسي على كل من جانبي سور برلين يتلخص في الآتي: إذا قام أي من الطرفين بأي تحرك خاطئ فقد ينتهي بنا الحال جميعاً إلى جحيم المحرقة النووية. ولقد أطلق على هذا الوضع بلغة الجغرافيا السياسية في ذلك الوقت الدمار المؤكد المتبادل، “mutually assured destruction” أو MAD اختصاراً. ولا شك أن ذلك المختصر كان ملائماً تماماً في وصف الموقف.

لقد نسينا تلك الأيام، ورغم ذلك فلا يزال هناك 23 ألف رأس نووية على كوكبنا، وتبلغ القوة التفجيرية لهذه الرؤوس ما يعادل قوة انفجار قنبلة هيروشيما مائة وخمسين ألف مرة. ولا شك أن الجماعات الإرهابية تتمنى لو تضع يدها على إحدى هذه القنابل.

الآن أصبح العالم يحتوي على ثماني دول نووية ـ الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وإسرائيل، والهند، وباكستان. وربما تمتلك كوريا الشمالية أيضاً بعض القنابل. ويعتقد العديد من المراقبين أن إيران تحاول إنتاج قنبلة نووية. وبعض الدول الأخرى، التي تمتلك قدرات نووية مدنية، ربما تتمكن أيضاً من إنتاج الأسلحة النووية. ومن المحتم أن يتزايد عدد البلدان المندرجة تحت هذه الفئة مع تضاعف عدد مفاعلات الطاقة النووية على مدى الأعوام العشرين الماضية.

لقد نجحت معاهدة حظر الانتشار النووي في احتواء عدد الدول النووية. ومن المقرر أن يُعقَد في شهر أيار (مايو) مؤتمر لتجديد ومراجعة هذه المعاهدة. ويدرك أوباما بوضوح أن معاهدة حظر الانتشار النووي بحاجة إلى تعزيز من أجل الحيلولة دون إقدام أي بلد على تحويل قدراته النووية المدنية إلى أسلحة.

ولكن أوباما يعلم أيضاً أن الدول النووية الحالية سوف تضطر إلى خفض ترساناتها النووية إذا كانت راغبة في حمل الدول الأخرى على تقبل قيود أكثر صرامة. وهذه قضية رئيسية بالنسبة للولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان 95% من الأسلحة النووية على مستوى العالم. فضلاً عن ذلك فقد يكون من المفيد أن تتمكن الولايات المتحدة من تولي زمام المبادرة بقوة من خلال التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

إن القضية النووية واحدة من أكثر البنود أهمية على جدول أعمال أوباما. والكيفية التي سيتم بها التعامل مع هذه القضية سوف تساعد في تحديد مدى نجاح رئاسته. وحتى قبل أن تتخذ الأمور مساراً جدياً في شهر أيار (مايو)، فهناك مسألة إيران التي تحتاج إلى تسوية عاجلة. تقول إيران إنها لا تسعى إلى أكثر من اكتساب القدرة على إنتاج الطاقة النووية. بيد أن الشكوك تتزايد مع الكشف عن مرافق ومنشآت إيرانية سرية، ومع كل رفض من جانب إيران للتفاوض على الضمانات التي من شأنها أن تسمح بالاستخدام المدني لقدراتها النووية ومنع استخدامها في التسلح النووي.

ولقد حاولت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا إشراك إيران بشأن هذه القضية، ولكن من دون نجاح يُذكَر حتى الآن. ومن المرجح أن تمنع الصين فرض عقوبات فعّالة على إيران بسبب علاقاتها الوثيقة التي تربطها بها في مجال الطاقة. ولا شك أن الكيفية التي ستتعامل بها الصين في نهاية المطاف مع هذا الأمر سوف تؤثر تأثيراً عميقاً على موقفها في الولايات المتحدة وأوروبا.

من المؤكد أن بعض الأسئلة الرئيسية سوف تُطرَح على أوباما في العام المقبل وما يليه. وإذا توصل إلى الإجابات الصحيحة عن تلك الأسئلة فسوف يتسنى له أن يتجاهل منتقدي تصرفاته في الأمد القصير. وما يدعو إلى التفاؤل أنه ذكي بالدرجة الكافية لكي يدرك هذه الحقيقة.

* آخـر حاكم بريطاني لهونج كونج ومفوض الاتحاد الأوروبي الأسبق للشؤون الخارجية، ويشغل منصب رئيس جامعة أكسفورد حالياً.

خاص بـ الغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2010.

التعليق