نموذج باكستان ومستقبل الدول العربية

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً

كان المتحدث الرئيسي في مؤتمر "جيمستاون فاونديشن" السنوي حول القاعدة والمجموعات المسلحة، منتصف كانون الأول (ديسمبر) الفائت، في العاصمة الأميركية واشنطن، بروس ريدل، أحد مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما، في رسم استراتيجيته لأفغانستان، ومؤلف كتاب بعنوان "البحث عن القاعدة: القيادة، والإيديولوجية والمستقبل"، وهو يشغل حالياً منصب زميل متقدم في مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط في معهد بروكجنز للدراسات، بعد تقاعده من وكالة الاستخبارات الأميركية العام 2006. وقد حدث ريدل الحضور عن كيفية اتصال الرئيس الأميركي باراك أوباما به، وعن مراحل إعداد الاستراتجية الاميركية بشأن أفغانستان، مشيراً إلى أنه لا مجال للفشل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان رغم صعوبة الموقف هناك، وأن بلاده لا يمكن أن تفتح أكثر من جبهة ويجب أن تركز على جبهة واحدة.

من ضمن القضايا المهمة التي تحدث عنها ريدل، باكستان، والتي قال عنها أنها تمثل أهمية استراتيجية عالية للولايات المتحدة الأميركية، وذلك للقيمة التي تمثلها، كرمز لعلاقة الإسلام بالغرب، وعلاقة الإسلام بالديمقراطية، ومستقبل السلاح النووي، والديمقراطية في العالم الإسلامي، ومستقبل أفغانستان، والعلاقة مع الهند واستقرار الإقليم...الخ. الإشارة التي لفتت انتباهي ترتبط بالديمقراطية، ومستقبل الديمقراطية في العالم الثالث، وتحديداً العالم العربي والإسلامي. فإذا كان مستقبل الديمقراطية ينعكس على حالها في باكستان حالياً، فإن مستقبل الديمقراطية مظلم في العالم العربي-الإسلامي، وذلك على مستويين: الأول على مستوى وضع الدولة الباكستانية الحالي، والثاني على مستوى تحول الرأي العام وقبول الديمقراطية.

الدولة الباكستانية تعيش في مأزق حقيقي على مستوى تكامل الدولة، هناك حالة من الاختلال الأمني في منطقة الحزام الشمالي الغربي، ووزيرستان ومنطقة القبائل، والمنطقة عملياً خارج حدود سيطرة الدولة، وهناك نزعات للخروج عن الدولة في بلوشستان بالإضافة إلى أن التقارير تشير إلى تواجد سلفي-جهادي في الاقليم مع إمكانية التداخل مع المطالب القومية البلوشية. ومثل هذا التطور إذا ما فهم في إطار تزايد نزعة تحول السلفية-الجهادية إلى حركة محلية كحالة طالبان باكستان، بدلاً من كونها منطقة حاضنة أو مستضيفة للإيدولوجية لا معتنقتها، كما كانت منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

كل المؤشرات هذه تدلل على أن المراهنة الرمزية لمستقبل باكستان، كما أشير إليه أعلاه، وإسقاطها على مستقبل العالم الإسلامي، والعالم العربي بالضرورة، تقدم مؤشراً بالغ القتامة، من ناحية تفكك الدولة، وغياب التكامل القومي. الإشكالية الأخطر ترتبط بمدى قبول الباكستانيين الديمقراطية كأسلوب حكم. والخشية الأكبر أن هذا ينعكس أيضاً على العالم العربي-الإسلامي. في تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، أظهرت دراسة كلف "المجلس البريطاني الثقافي" بإجرائها، أن الشعب الباكستاني على شفا "كارثة ديمغرافية"، بحكم أن المجتمع فتي بحث أكثر من منتصفه ما دون العشرين، ولذا تتوقع الدراسة تراجعاً في عدد السكان الباكستانيين، بنسب كبيرة جداً، بنحو 85 مليون خلال العقدين المقبلين.

وأما المأزق الأخر الذي تتحدث عنه الدراسة، هو أن فقط ثلث الذين شملتهم الدراسة يرون النظام الديمقراطي هو النظام الأمثل للحكم، وثلث يرى بحكم الشريعة النظام الأمثل، وهناك 7% يدعمون النظام الديكتاتوري. ترى الدراسة أن هناك تراجعاً في الثقة بالنظام الديمقراطي. وفي ظل التيارات المتشددة المتصاعدة في باكستان فإن شكل حكم الشريعة سيكون وفق التصورات المتشددة. ونسبة 7% ليست بالقليلة لتؤيد حكماً ديكتاتورياً في نظام يفترض أنه ديمقراطي.  وعلى ما سبق، فإن كانت التطورات في باكستان ستنعكس على العالم الإسلامي-الغربي، وفقاً لما أشار إليه ريدل، وإن أخذنا بعين الاعتبار أن كون المجتمعات العربية، فتية كالمجتمع الباكستاني، فإن فقدان الثقة بالأنظمة الديمقراطية، والنزوع لتأييد الديكتاتورية، يمنح مؤشراً خطيراً على مستقبل الإصلاح في العالم العربي، ولكن ينبغي التذكير أيضاً، وللموضوعية، أن فقدان الثقة بالديمقراطية يرتبط أيضاً بالسياسات الغربية-الأميركية في المنطقة. أتمنى أن لا يكون مستقبل المنطقة كما يقول التقرير، ولا تكون باكستان، بشكلها الحالي، انموذجاً مستقبلياً للدولة العربية.   

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »>>> (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 13 كانون الثاني / يناير 2010.
    حتى لو أصبحت الحالة الراهنة أنموذجا ً لمنطقتنا فلن يتغيّر الوضع -العام- كثيرا ً برأيي، و على مختلف الأصعدة.
    كل ما هنالك أن ذريعة جديدة -و لعلي أضيف قديمة / جديدة- ستكون بمتناول ال(آخرين) لفرض مزيد من الوصايات و بأشكال مختلفة و المحصلة: المزيد من التدخلات بشؤوننا و نحن نتفرّج و لا نحرّك ساكنا ً باتجاه تغيير نوعي لحالتنا العصيبة بين أمم العالم.