الحرب الثقافيّة – الإجتماعيّة في أميركا اليوم

تم نشره في الخميس 24 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

هزّ الرئيس الديمقراطيّ السابق جيمي كارتر بقوّة المجتمع الأميركيّ حين اتّهم المشاعر العنصريّة بالوقوف وراء بعض المعارضة التي تلقاها خطط العناية الصحيّة للرئيس باراك أوباما. ذاك أنّ أميركيّين كثيرين، في رأيه، لم يتصالحوا مع حقيقة حلول شخص ملوّن في سدّة البيت الأبيض.

ما سبق الاتّهام الكارتريّ كان شتيمة "كذّاب" التي أطلقها النائب الجمهوريّ الأبيض جو ويلسون في وجه أوباما. وإلى تلك الوقاحة غير المألوفة في التخاطب، كانت التظاهرة التي هبطت على واشنطن، وكان كلّ المشاركين فيها من البيض، بهدف رفض خطّة أوباما للعناية الإصلاحيّة. هكذا هوجم الرئيس بوصفه "شيوعيّاً" و"اشتراكيّاً" وأنّه يريد تحكيم الدولة بالمجتمع وحريّاته من خلال الضرائب الطاحنة.

والمعروف أن الولايات المتّحدة، وبسبب قوّة الأفكار المحافظة التي من هذا الصنف، بقيت متخلّفة جدّاً عن أوروبا الغربيّة في المجال هذا: فهناك 46 مليون أميركيّ غير مضمونين صحّيّاً، و25 مليوناً لا يتمتّعون إلاّ بضمانة جزئيّة. ولهذا تهدف خطّة الإصلاح الحاليّة إلى جعل شبكة الضمان تغطّي الأميركيّين جميعاً من غير استثناء. وغنيّ عن القول إن إجراء ضخماً، بل تاريخيّاً كهذا، ستكون له مترتّبات ماليّة وضريبيّة لا يمكن القفز فوقها. والحال أن التذرّع بالأزمة الماليّة الراهنة للحؤول دون تمرير الخطّة يتجاهل الأثر الإيجابيّ الكبير الذي سيكون لتلك الخطّة حين يغدو المنتجون، وهم صانعو الاقتصاد، أكثر صحّيّة وأرفع إنتاجيّة.

لقد رفض أوباما، بحسّ رفيع بالمسؤوليّة، وصف جيمي كارتر للمشكلة، مؤكّداً، كرئيس موحّد للبلد، على أن المعارضة له تصدر من موقع العداء للدولة والرفض لكلّ دور تلعبه في تنظيم المجتمع، وليس من موقع عنصريّ. وهو ذهب أبعد، فشبّه ما تعرّض له بما سبق أن تعرّض له، في الثلاثينيات، الرئيس فرانكلين روزفلت حين أراد إحلال سياسات "النيو ديل" فاتُّهم بالشيوعيّة، لا بل شبّه الحملة عليه بالحملة على الرئيس رونالد ريغان حين أراد، في الثمانينيات، التراجع عن سياسات "النيو ديل" الروزفلتيّة.

كائناً ما كان الأمر، فالحقيقة تقع في مكان ما بين التقديرين الكارتريّ والأوباميّ. فالرئيس السابق مُحقّ حين يُلاحظ أن البيئة البيضاء هي وحدها من يعترض على خطّة الإصلاح، وربّما كان ما يواجه الولايات المتّحدة الآن أنّها تنتقل، بقيادة أوباما، من المساواة القانونيّة الناجزة إلى درجة من المساواة الإقتصاديّة، أو أقلّه العدالة في الفرص الإقتصاديّة. يتّضح هذا في المعركة الضارية الأخرى التي تشتعل على جبهة أوباما – شارع المصارف في وول ستريت، بعناوين من نوع العلاوات والمكافآت للمدراء، أو الملاذات الضريبيّة الآمنة للتهرّب الضريبيّ.

وفي هذا المعنى يخطئ كارتر ويصيب أوباما، حيث تنضوي المنازعة العرقيّة، على رغم خصوصيّاتها، في المنازعة الاجتماعيّة – الثقافيّة الأكبر والأعرض. ولئن كان انتخاب الرئيس الحاليّ هو بذاته انتصاراً واضحاً حقّقه المعسكر التقدّميّ، يبقى أن نتابع نتائج المواجهات الدائرة قبل أن ينقشع المشهد كليّاً وينشقّ عن أميركا في طورها الجديد. 

التعليق