د.أحمد جميل عزم

إنهاء الالتزام العاطفي مع رجال الدين والسياسيين

تم نشره في الأحد 20 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

قبل سنوات قال لي ناشط سابق وميداني في حركة "فتح" داخل فلسطين: كنّا نعتقد أن بعض هؤلاء القادة في الخارج أقرب لجنس الملائكة، لا ينقصهم سوى أجنحة لتكتمل الصورة، حتى خبرناهم بأنفسنا.

وقبل أيّام نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية عن تراجع ظاهرة تعليق صور السياسيين ورجال الدين في البيوت وعلى سيارات العراقيين. أحد الذين التقتهم الصحيفة كان ينهمك في إزالة صورة زعيم سياسي ديني عن سيارته، قال للصحافي ضاحكا: هل تصدّق هذا البوستر صناعة صينية. (وكأنه لم يكتشف هذا إلا الآن).

آخر استبدل صورة سياسي على خلفية جهاز هاتفه النقّال بصورة طفلته وقال "أنهيت كل التزاماتي العاطفية مع السياسيين العراقيين".

كل هذا طبعا بعد ان اتضح أنّ هؤلاء السياسيين ليسوا أبطالا مثاليين. وفي مطلع هذا العام أثناء حرب غزة لم يخف كتّابٌ إسلاميّون خيبة أملهم من تواضع قدرات خالد مشعل، على مخاطبة الجمهور حتى في حديث تلفزيوني مسجل. ومؤخّرا سلّط أكثر من كاتب الضوء على كيفية صعود قادة حركة "حماس" في الخارج لموقعهم، واعتبارهم "موظفين" تحولوا إلى قادة.

والواقع أني أعدت التنقيب في المصادر المكتوبة في تاريخ "حماس"، بما في ذلك أحاديث مطولة منشورة مع مشعل، وتواصلت مع خبراء في شؤونها، ولم يزدني ذلك إلا حيرة بشأن دور مشعل في سنوات ما بين تأسيس الحركة وتسلمه رئاسة المكتب السياسي، في ظروف استثنائية هي سجن موسى أبو مرزوق. هذا ليس انتقاصا من مكانة الرجل، بل قد يكون مؤشر إيجابي.

كان أحمد ياسين، يوصف بالمرشد الروحي لحركة "حماس"، ولكنّه فعليّا كان قائدها الحقيقي، بغض النظر عن المسميّات والمناصب. وكان ياسر عرفات زعيم حركة "فتح"، مع أنّه لم يكن يوجد حتى مؤتمر عام الحركة الأخير منصب رسمي اسمه رئيس حركة "فتح"، وكانت زعامة عرفات مستمدة من شخصه ونضاله وقدراته على المناورة والتكتيك.

الصور التي يعلقها الشارع العربي للقادة الشعبيين (وليس الرسميين) تكاد تنحصر الآن في قادة راحلين حافظوا على مكانة عاطفية لهم.

ربما هناك قادة لهم حضور شخصي شعبي مستمر، مثل حسن نصرالله، ولكن الأكيد أنّ رصيده الشعبي تراجع كثيرا، عمّا كان عليه قبل سنوات. وفي حالة قادة مثل مشعل فإنّ الأصح أن الاهتمام هو برئيس المكتب السياسي لحماس، أكثر منه بمشعل ذاته، وهذا كله يشير لتراجع فكرة القائد صاحب الكاريزما.

السؤال: هل توقف الشارع العربي عن إعطاء السياسيين رصيدا قبل أن يرى أفعالهم؟ وهل توقف عن صناعة أبطال من خياله يمجّد سلفا صنائعهم؟

إذا ما انتهى فعلا عصر الزعيم الأوحد، وانتهت المبايعة السياسية العمياء فهذه خطوات إيجابية على طريق أداء سياسي أكثر عقلانية وموضوعية اعتمادا على مجموع الناس والقيادات المؤسسية والجماعية.

ahmad.azem@laghad.jo

التعليق