عن مجتمع القسوة بمناسبة شهر الرحمة

تم نشره في الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

كم كانت المفارقة رائعة في كاريكاتير حجّاج أول من أمس لمشهد النشّال المرعوب يروي كيف أنه "راح ما يروح فيها!" بسرقه 10 ليرات لولا الخلوي الذي مكّنه من الاستنجاد بالشرطة! ومثل هذا المشهد صادفته شخصيا قبل سنوات شخصيا.

ولعلي كتبت عنه عندما قاد الحظ العاثر نشّالا لم يتمكن من الابتعاد بضعة أمتار قبل أن يعترض مواطنون طريقه فيسقط أرضا ويتجمهر الجمع حوله فيشبعوه ركلا ورفسا بلا هوادة، فتدخلت محتجا ولعلّ القوم اعتقدوا أنني من الأمن الوقائي أو المخابرات فتراخوا وبعد قليل جاءت الشرطة وأخذته.

وقد تابعنا مقطع الفيديو المصور بالخلوي الذي يظهر شرطة يضربون نشّالا مفترضا في الشارع، وقال الناطق باسم الأمن العام أنه قديم يعود إلى العام 2007، وطبعا هذا ليس عذرا، مع أن الناطق يقصد الدفاع عن جهود التطوير والتثقيف، بحقوق الإنسان المعتمدة والتي ستبدو فاشلة لو كان المقطع حديثا.

والحق أن سلوك بعض الشرطة لا يختلف أبدا عن سلوك مواطنين يستبقون العقاب القانوني بما تجود به عدوانيتهم المكبوتة كلما أتيحت الفرصة تجاه من يفتقرون لوسائل الدفاع بسبب منزلتهم الاجتماعية ووضعهم كمذنبين، الذين يظهرون القسوة والعنف هم أنفسهم في الغالب ضحايا عدوانية مجتمعية مادّية ومعنوية.

وكم نلاحظ تلك الازدواجية الملفتة والمشبعة بالدلالات حين تجد شخصا يخاطبك بكل لطف ولياقة واحترام حتّى إذا التفت إلى العامل الوافد أو الخادمة تغيرت نبرته مرّة واحدة لتصبح ناهرة استعلائية ومهينة.

وأمس نشرت "الغدّ" قصّة كامل عبدالحليم (اليتيم مجهول النسب- وفوق ذلك أسود البشرة!) ومعاناته في دور الأيتام حيث لم يعرف من أنواع المعاملات سوى الضرب، وكان زميله الوفي قد نقل قصته في رسالة إلى جلالة الملك بمناسبة استضافته وجلالة الملكة مجموعة من الأيتام على مائدة إفطار، وفي ذلك رسالة واضحة إلى المجتمع.

نستذكر قصّة تقرير صحافي العام 96 كشف ما يعانيه أطفال ميتم من أذى وإهمال مروع ونتذكر كم آذى ذلك روح الحسين حتّى انه قرر الانتقام لأولئك الأطفال بتحويل قصره المبني حديثا إلى مأوى لهم، وكان في ذلك رسالة قويّة أيضا إلى المجتمع، لكن مع الأسف لا يعاد إنتاج الأفراد بقرار، إذ يبدو أنها مهمّة مديدة وعسيرة الارتقاء بالسيكولوجيا والثقافة والسلوك الاجتماعي.

نتحدث عن القسوة ويظللنا شهر الرحمة، وهو يسكب في النفوس كل ما في الكون من معاني الرضا والسكينة والمودّة، لكننا نحوّل هذه المعاني إلى بلاغة لغوية مجردة أو ظاهرة صوتية تندرج بالضبط في سمات الازدواجية والتضادّ الذي يسم شخصيتنا الاجتماعية وغيرنا من المجتمعات الانتقالية، فنحن

مستعدون أن نذهب إلى أقصى مظاهر التدين ونترك أقربها وأبسطها وهو أن "الدين معاملة".

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليق على الجملة الأخيرة (عربي)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    ألا ترى ياأستاذ جميل أن تهميش الدين, في الماضي, و فرض العلمانية على يد "أتاترك" كان السبب في الإنحطاط الحضاري لأمتنا؟

    و في وقتنا الحاضر, ألا تري أن هناك علاقة بين تهميش الإسلاميين في الحكومة و البرلمان و البلديات, كونهم رقيب أمين على الأمة, كان عاقبته انتشار الفساد و ضياع الرقابة و الإنصاف و بالتالي زيادة العنف في المجتمع؟
  • »كشف المستور (ابو السعود)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    في الواقع فان تكرار الاحداث في وقت قصير مع وجود تقنيات الاتصال الحديثه هو ما لفت الانتباه لسلوكيات القسوه والعنف وغيرها من السلبيات اي انها موجوده باستمرار ولكنها لم تحدث الحراك اللازم كمرض اجتماعي تجب معالجته.
    ما العمل والى متى سنظل بهذا الاتجاه ؟
    كيف نستطيع تغيير المفاهيم وقد نخرت القلوب والعقول واصبحت التربيه الاسريه تحث على العنف والسلبطه( مع الاسف فأن بعض هذا مرده الى عدم الشعور بالامان فيصبح عنوان التربيه : خذ حقك بأيدك وخذ حق غيرك بالمره)اعود فاقول ان الخطوه الاولى تبدأ بالمدارس ( لكن بغير ما هو مطبق حاليا ) ونحتاج الى ثوره ورجال شجعان لقيادتها وفي الحقيقه فاني لا ارى املا في تحسن قريب لا بل قد تجري الامور الى الاسوأ.
  • »الرحمة (يوسف العواد)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    اشكر الكاتب على هذا المقال الذي يدعو الى الرحمة التي هي العامل المشترك في كل الاديان و القيم الانسانيةفي العالم.الرحمة اجمل المعاني الانسانية التي تشع على الجميع بغض النظر عن اللون او الجنس او الدين او المكانه الاجتماعيةو فضائهاالرحب يتسع للانسان و الحيوان و النبات. الرحمة لا تعرف الازدواجية و النفاق الاجتماعي .الرحمة بين بني البشر احدى السبل لنيل رحمة الله سبحانه و تعالى.
  • »البلطجة ليست عنوان حياتنا- تغير "الوسيط" (د. سعيد جراح)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    حقيقة هو سوء ادراك للأمور
    فلم تزيد الجرائم ولا المشاكل، ولا قضايا الانتحار نحن فقط نسمع عنهم أكثر، ولدينا من الفراغ ما يجعلنا نمضي الساعات أمام مواقع الأخبار وبالتالي تشكيل هذه الصورة النمطية بأن الدنيا بتخرب!
    الاعلام الالكتروني يمارس فضائحيته وشعب يعني له "الخدمات الالكترونية" تصفح مواقع الأخبار والاثارة في ساعات العمل (لا أزكي نفسي أو الزملاء)
    عمر في الأردن، ولما أكون عرضة لبلطجة أو سوء تقدير من رجل أمن أو " أزعر" - الزعران ولاد ناس كمان في الآخر ... وفي المولات شباب بالكاد تدفع عن نفسها
  • »البلطجة عنوان حياتنا!! (خالد السلايمة)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    أعذروني لا أقصد التعميم و لكن من كثر ما شفنا جرائم و طوش و حرائق و عطوات اصبح الإنسان لا يعرف أين يذهب و يعيش!

    أصبح العنف سمة من سمات مجتمعنا! لا نستطيع أن نذهب لمشاهدة مباراة كرة قدم خوفآ من المشاكل. اصبحنا لا نفكر في إرسال أولادنا إلى الجامعات الأردنية خوفآ من المشاكل. أصبح النزول إلى السوق أو المول كارثة في ظل وجود هذا الكم الهائل من الزعران و البلطجية و الذي لا يفهم إلا لغة الطوشة.

    و الأدهى و الأمر أنه يتكلم عن الإسلام و الدين كأنه يوسف القرضاوي! و بعد نصف ساعة يدخل في طوشة!! و بعد الطوشة بساعة يذهب و يصلي العشاء! طيب كيف نصلي و نتعبد إلى الله و لا نرى أثرآ للدين على شخصياتنا!؟ ما قيمة التمسك بالدين إذا لم ينعكس على عقليانتنا و تصرفاتنا!؟
  • »كبير... (bassimng)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    انت كبير يا استاذ, ومقالك كبير ورائع وحساس. اشكرك
  • »لننظر جيدا في المرآة (salem massad)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    مقال الكاتب جميل النمري يلخص بالضبط واقعنا من خلال هذه اللوحات القصيرة وهي لا تحتاج الى تعليق لكنها حفزتني على التعليق بالنسبة للعنف والعدوانية في مجتمعنا وهو نوع من العنف المرتبط بتخلف اجتماعي ثقافي اذ لا اتحدث عن العنف المرتبط بالمدنية والجريمة وهو من سمات المجتمعات الاقتصادية والصناعية المتقدمة.
    العنف في مجتمعنا يبدأ من البيت تجاه الأضعف التجبر الزائد بالأولاد والتجبر بالزوجة لسبب بسيط هو أن الرجل أقوى ، حتّى اذا ذهبنا الى العمل وجدنا الموظف الأكبر يتجبر يمن هو أدنى ويتزلف لمن هم أعلى ولذلك ليس غريبا ان نرى كيف يتم معاملة الخدم كالعبيد مع أن هذه الظاهرة تتراجع تدريجيا وانا أذكر ان التعامل مع العمالة الوافدة كان سيئا فحتّى من لا يساوي شلنا تجده ينهر الأخ المصري كما لو كان سيد عصره. كرامة الانسان بذاتها ليست في الحسبان والتخلف هو أن تستقوي على الضعيف. ولا كرامة لشخص يمتهن كرامة آخرين لأنه يستطيع ذلك دون ردع. أمّا عن التعامل مع الدين فحدث ولا حرج وأنني أنذهل من معارف يحرصون على تأدية كل الفروض بحرص شديد لدرجة الاستعراض ثم تجدهم في علاقتهم مع الآخرين بمنتهى النذالة، كيف يوفقون بين هذا وذاك لكن ربما هذه هي ذروة التخلف في العلاقة مع الدين.
  • »المعاملة مراة للنفس البشرية (محمد الرواشده)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    من واقعية الأخلاق الإسلامية أنها لم تفترض في المؤمنين المتقين أن يكونوا ملائكة أولى أجنحة، لا تسول لهم أنفسهم سوءا يوما، ولا يتورطون في أوحال الرذيلة أبدا، كلا إن الإنسان خلق على طبيعة مزدوجة، جمعت بين طين وحمإ مسنون، وبين نفخة من روح الله. فليس بمستنكر أن يذنب، ثم يتوب. إنما المنكر أن يتمادى في الذنوب ويستمرئ الرذيلة والعصيان. لقد أذنب آدم ـ أبو البشر ـ وتاب فتاب الله عليه، فلا غرابة أن يكون بنوه مثله،
  • »ارحموا من في الارض (رشاد الصاحب)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    الاستاذ جميل كنت عاهدت نفسي على ان لا اعلق على اي موضوع في جريدة الغد وان لا اجدد اشتراكي عند انتهاءه بعد شهر وذلك احتجاجاعلى المحاباه في التعليقات وحذف ما لا يتناسب مع اهواء السيد المحرر الا انه وللامانه ان مقالك اليوم اكثر من رائع لانه يكشف مدى الامراض النفسيه اللتي نعاني منها وحالات انفصام الشخصيه التي اصبحت السمه العامه لمجتمعنا ولا علاقه للسلوك وتناقضاته في شهر الرحمه من غيره من الاشهر لان الاصل في التراحم ليس الاشهر والتدين انما الاصل هو النفس البشريه وكما في الحديث النبوي ان امراه من بني اسرائيل (مومس) دخلت الجنه في كلب سقته ماء اذا كان هذا الهدي النبوي للدلاله على الرفق بالحيوان فكيف ببني الانسان
  • »مقال رائع - صحيح جدا (خالد محمد)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    يا رجل مقال رائع اليوم
    فعلا اننا مجتمع القسوة المقنعة
  • »تعليل ازدواجية السلوك (باسل القيظي)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    أتفق مع الكاتب في وجود ظاهرة القسوة في مجتمعنا وهذه القسوة ناتجة عن مرض نفسي يسمى عقدة النقص فالمصاب بهذا المرض يتلذذ في إلحاق الأذى في الآخرين، ولا يمنعه من إيذائهم إلا خوف العقوبة فإن أمن منها انقلب إلى وحش كاسر لا وجود للرحمة في قلبه، فتظهر هذه الازدواجية في السلوك إلا أن تعليل ذلك بأنه سمة طبيعية للمجتمعات الانتقالية فأمر فيه نظر، ولا يخلو من تقديم مبرر وإضفاء عذر على هذا السلوك المشين، وفيه لجوء لقدرية جبرية بلباس جديد تجعل الإنسان مسلوب الإرادة في سيره في الحياة، والأصل أن نتجه لبحث الأسباب الحقيقية التي جعلت الناس يبتلون بهذا الداء النفسي الذي يمثل انتكاسا للفطرة النفسية، والذي أؤكده هنا أن أسباب ذلك لا علاقة لها بقوانين مادية قدرية وإنما هي ثمار فعل إنساني شرير.
  • »اجمل ما في المقال (محمد)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    اجمل ما في مقالك اليوم اخره لانه يمثل واقعنا المرير و يا ليت من تنطبق عليهم العبارة يتعلمون ما فيها.
  • »أوجدوا لنا حل (خالد عبيد)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    نأمل ان تكتب عن معاناتنا نحن 200 موظف من الفئة الرابعة نعمل في وزارة الزراعة ومديرياتها في المملكة تم تعييننا لمدة شهرين فقط ، حيث سيتم الاستغناء عن خدماتنا اعتبارا من بداية الشهر القادم.
    وكلنا عول على هذه الوظيفة.ونحن اصحاب أسر.والله المستعان.
  • »We are better than Them (Mansoor)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    Hi Jamil
    Two years ago the police in the Uk nocked a man down ,because he was just running in the street, after that they shot him seven bullets. After that the apologised. It is unbelievable.

    We still better than them, Our police is still better than them. We are still human, but they are machines.
  • »انسوا قليلا لتنجحوا كثيرا (امجد ابوعوض)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2009.
    مقال اروع ما يكون , لا استطيع ان اصفه الا بذلك حتى اصل الى السطر الاخير فأجد ان مجموعة المثقفين الذين نحترم لا ترى غير الدين سببا في بلاوينا , اشعر عندما ننتقد ظاهره معينه غير مقبوله ان كل من يفعلها من الشعب هم من المتدينين شكلا , حتى اني اتخيل اني لو استيقظت في الصباح فسأجد كل الشعب الاردني وقد اطال لحيته وارتدى الدشداش وحمل المسبحه وبعد ذلك يتجمعون في ستاد عمان بالملايين لينتظروا الاشاره وبعدها ينطلقون ليعيثوا فسادا في المجتمع!!! , لا اعرف ماذا تريدون , هل تريدون تخلص الجميع من دينهم لترتاحوا ؟ وما ذنب الدين اذا وصل للفاسد بالوراثه وما ذنب مظاهره اذا تمسك بها من يصرون على البقاء بعيدا عن غاياته ؟

    انسوا مشاكلكم مع الاسلام السياسي وبعد ذلك ستكونون مقنعين اكثر في تحليلكم لظواهر التخلف في مجتمعنا وتاكدوا انكم ستنجحون في القضاء على الظلام بشرط تحييدكم لصراعكم السياسي وانتم تتناولون مشاكل اجتماعيه لا دخل لها بالسياسه .
    العنف الاجتماعي هو بسبب التربيه التي لا تركز على احترام ادمية الانسان , وهو بسبب الاباء الذين يعلمون ابنائهم ان اول ما ستحقق به ذاتك هو استخدام العنف ضد ايا كان فانت الانسان اما غيرك فلا! الا اذا كان هناك مصلحه تجمعه معك . حتى اني اجد السبب قي تفوقنا النسبي في رياضات العنف مثل التايكواندو والكاراتيه هو رغبة الاباء في رؤية ابنائهم يتدربون صغارا على قتال اقرانهم لذلك يقوم بتسجيله في نادي قتال ويشجعه على الاستمرار فحتى انه لا يشجعه على دراسته مثلما يشجعه على العنف .
    ايها الاستاذ الكبير جميل النمري انسى الاخوان المسلمين وانسى حماس فهم اذا ارادوا الصاق اسباب التخلف والفساد بخصومهم العلمانيين عن طريق المقالات فسينجحون وبسهوله خاصه والجميع يعلم ان من ينادي لمكارم الاخلاق هم الاسلاميين.