هاني البدري

بنك الطعام الأردني

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

أحار، كلما هلّ رمضان، بحجم المفاجأة التي تسقط علينا كل في موقعه ومكانه، وكأننا لم نتوقع قدوم رمضان هذا العام! تسقط المفاجأة على الأسرة بأكملها، فتراها تسرع تلملم كسلها لتتكدس أمام طوابير المؤسسات الاستهلاكية، تماماً مثل عرباتها المتكدسة بخيرات الله.

عادةً يفاجأ التلفزيون الأردني بقدوم رمضان، ويتحرّى الخلق الهلال وكأن على رؤوسهم الطير، حائرين إن كان عليهم أن يتحركوا ليتجهزوا أم أن اختفاء الهلال سيمنحهم فرصة للبقاء في أماكنهم .

نعود في كل رمضان بنفس النصائح الطبية ونتحدث عن ذات الفوائد.. "نتفلسف" في العلن عن ضرورة التقنين وتخفيف تنوع الأطباق والموائد، ونعود إلى المطابخ المغلقة لنسأل بلهفة تكاد تفجّرنا غضباً.. عن كم الأصناف التي ستصطف أمام أعيننا عند الإفطار.

ولعلي هنا "أتفلسف" مثل كثيرين في شؤون المائدة وتعدد أنواعها وألوانها.. وكأنني في منأى عن مزاجية الصائم ومتطلباته ورغباته التي لا تنتهي. لكنني وجدت نفسي، وجهاً لوجه، مع دراسة لمنظمة الأغذية العالمية تتحدث، ولأول مرة، عن أرقام مذهلة عن حجم الطعام الذي يُقذف في حاويات القمامة في دول العالم.

البريطانيون "يكُبّون" عشرة بلايين جنيه استرليني سنوياً من الطعام الصالح (الذي لم يمس). رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، أذهلته الأرقام فخرج في خطاب لأمته يناشدها بوقف الهدر. أما الأميركيون، فتشير الدراسات إلى أنهم يلقون أطعمة بخمسين بليون دولار سنوياً. ثم يأتي الأوروبيون في بلجيكا والسويد وغيرها في القائمة ليصل نصيب القمامة من أغذيتهم حوالي الثلث.

وقبل أن أقرأ في أرقام "الكبار" الذين يلقون بأكثر من ثلث غذائهم في النفايات ويخرجون في مؤتمراتهم حول "أزمة الغذاء والمياه في العالم".. "يتفلسفون" مثلنا عن ضرورة ايجاد حلول لأزمة الغذاء ومجاعات إفريقيا ووجوب العمل على ملء البطون الخاوية في أصقاع الأرض.. فكرت بموقعنا من هذه القصة، وهل يمكن أن نكون جزءا من مشهد الاهدار الغذائي العالمي؟!

من دون دراسات متوفرة أو أرقام تصف علاقتنا في المسافة بين السفرة وكيس النفايات، أكاد أجزم أننا جزءٌ فاعل في معادلة الهدر.. نحن الذين نتابع بأمّ أعيننا في رمضان الطوابير المتكدسة من الناس أمام مآدب الرحمن الرمضانية.. ونحن الذين نعرف أن أناساً يقضون نهاراتهم ولياليهم في "غطّ" الخبز الناشف بالشاي.. ونحن أيضاً الذين نتحدث طويلاً وكثيراً في دواوين السهرات والأمسيات عن المبذرين إخوة الشياطين.

هؤلاء.. نحن من نُدعى إلى وليمة بسبب نجاح أحدهم بالتوجيهي أو خطبة لآخر أو جاهةٍ لثالث.. لنفاجأ بأن "شلية" من الخِراف ذُبحت تلك الليلة احتفاءً بالمناسبة وتكريماً "للغانمين".

ونحن الذين في رمضان تتكدس ثلاجات منازلنا إلى حد "الطفح" بأكياس "النِعم".. وبعد الإفطار تتكدس "بالطبيخ" الزائد، الذي سرعان ما يُتخذ قرارٌ بإعدامه لإفساح المجال لأكياس جديدة.

أتذكرون الدعوة لمقاطعة اللحوم الحمراء التي سبقت ومهدت لاستقبال الشهر الفضيل؟! من منّا التزم بها؟ وهل بتنا أسرى لإدمان اللحوم حتى أسهمنا "بضعفنا" في إعانة تجار "اللحوم" على استغلالنا واستغلال متطلبات الشهر.

أحد مدمني اللحوم من الأصدقاء عبّر عن تعاطفه الشديد لأسبوع المقاطعة، لكنه كان يأمل أن يبدأ الأسبوع بعد وليمة "جارهم" ومناسفه "الطيبة" بيوم، حتى تسنح له الفرصة المشاركة في هذا العمل الوطني.

أتساءل وقد تابعت باهتمام تجربة "بنك الطعام" الناجحة جداً في مصر، حيث الأشقاء ليسوا أقل منّا إسهاماً في مشهد الهدر، وحيث معدلات الجوع في ازدياد، لكن مشروع بنك الطعام المصري حقق انجازات عظيمة في التخفيف منها.

أتساءل وأنا أقدّر الجهد الكبير، بل وأشدُ على يدي "تكية أم علي" أن تمؤسس لبنك طعام أردني يحُد من إهدار الأغذية ويوجهها بشكل حضاري ومحترف إلى مستحقيها وهم -بالمناسبة- كثر وبيننا.. لم لا نتوجه من خلال هذه الدعوة عبر "الغد" لاطلاق مبادرات بنوك أردنية للطعام بإسهامات قوى الاقتصاد القادر في القطاع الخاص الأردني، لتقف عند مسؤولياتها تجاه معادلة البطون المتخمة والبطون الخاوية في البيت الواحد.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سعر الإغلاق دائما مرتفع في رمضان (مصطفى العمري)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    كعادتك مبدع أستاذ هاني في طرح الفكرة , لو أننا نظمنا غذائنا لما جعلنا التجار يستغلوننا ولكننا للأسف نبين كم نحن مشتاقتين لطعام في هذا الشهر الفضيل
  • »فكرة رائعة (نادر احمد)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    شكرا جزيلا للكاتب هاني البدري على هذه اللفتة الرائعة (بس والله انا خايف لما يروح الفقير على البنك يخلو يوقع الف توقيع قبل الحصول على وجبة زي نظام القروض وازا ما رجع الصحون يصيرو يعدو عليه قوائد)
  • »لاستغلال طعام الفنادق المهدور (علاء)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    نعم لاستغلال طعام الفنادق الزائد عن الحفلات والذي يشترط رميه في الحاويات حتى وان لم يلمس .... لماذا لا يكون هناك مؤسسة متخصصه او جمعية لتقوم بعملية تجميع هذا الطعام وتوزيعه على الاسر المستورة.... وكذلك الطعام الزائد عن حفلات الاعراس والمناسبات والحفلات....
  • »ادخر في هذا البنك والله يكافئك (يزن صلاح)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    نتمنى ان تطبق هذة الفكرة وسيكون افضل انجاز واتمنى ان يكون لدية فروع في كل العالم شكرا استاذ هاني على هذة المقال والفكرة الرائعة
  • »رمضان.. رمادٍ على حُطام (محمد زِكري)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    لفتت نبيلة للكاتب هاني البدري بمقاله (بنك الطعام الاردني) الذي حمل في طيه موجبات الحفاظ على القيمة الثمينة التي تتمحور في شهر رمضان الفضيل.
    ليس غريباً ما نراه ونشهده، فحين تمتلئ القلوب بالإيمان تكتفي بالزُهد وإن نقص اُهيمت بملء البطون، كما هو حالنا اليوم في «رمضان المعاصر» الذي صُيّغت معانيه الجلية إلى رمادٍ على حُطام، لست مبالغاً في تعبيري مطلقاً، فكيف لا والخيام الرمضانية اصبحت الوجهة الرئيسية للمشتهين، والتصارع التلفزيوني الملتهب ينفُث كل ما هو جديد للتائهين، والاسراف والتبذير للقمةٍ هنيه للمدعوين، اما الكسل والغضب صفة الاشخاص المنهكين، ولبعض التجار فرصة للاحتكار وسمةً للمتلاعبين، وقبل الافطار مهزلة الطرقات للمتلاحقين، واخيراً وبعد عناء طوال النهار لا بد من سهرة حتى الصباح تُزيل كرب البائسين، فأين رمضان من هذا واين نحن من رمضان!! -إلا من رحم ربي-.
  • »صح الكلام (اردني)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    معك حق و التجربة نجحت في دول عربية ليش ما تنجح عندنا ؟ ز مثل ما قلت في مقالك الاكل اللي في القمامة أكثر من اللي بناكله . وانا راح اكون اول عميل في هالبنك بس عالله يطلع !
  • »بنك الخير (أماني)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    سلمت يدك أستاذ هاني على المقال الرائع و الفكرة الرائعة و أؤكد أن مؤسساتنا الوطنية و كبرى الشركات الاستثمارية تبحث دائما عن قناة (نظيفة) تساهم من خلالها في رفد المجتمع المحلي بالامكانيات الخيرة . و فكرتك في انشاء بنك للطعام يستمر عمله طوال أشهر السنة يمكن تحقيقها بسهولة ان وجدت من يتابعها و يتكفل بانجاحها.. على الله أن يجد نداؤك آذانا صاغية .. وفقك الله لعمل الخير دائما .