هاني البدري

الخصخصة.. لغايات ضبط الجودة

تم نشره في الاثنين 17 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 

مثل كل العناوين الكبيرة التي اخترقت حياتنا عنوةً او برضانا، أتت الخصخصة (كما هي دائماً) القشة التي انقذت مؤسسات اقتصادية كبرى من الغرق، لكنها وللمفارقة نفس القشة التي قصمت ظهر البعير.

ولأنني لا أعرف في الاقتصاد وادارته، إلا ما تتيحه لي تجربة إدارة اقتصادي الذاتي، فلن اتحدث عن الخصخصة كمفهوم اقتصادي عالمي بإيجابياته وسلبياته على الاقتصادات الوطنية، لكنني اجد لزاماً علي أن أعرض الجانب التي قُصم فيه ظهر البعير.

فمنذ أن سمعنا لاول مرة عن الكلمة باختلاف مسمياتها، بين الخصخصة أو التخاصية او الخوصصة.. استمعنا باهتمام للوعود البراقة التي تحدثت عن الارتقاء بمستويات الكفاءة والاداء الوظيفي وانهاء الروتين (مرة واحدة وإلى الابد)، واطلاق برامج التدريب للموظفين لتحقيق سرعة الإنجاز والقضاء على البيروقراطية و"التشهيل"... للتسهيل طبعاً على العملاء والزبائن والمواطنين.

ذلك كله لم يتحقق في مؤسسات نزلت عليها الخصخصة من السماء، من دون ان تتحضّر لها او تُحضّر موظفيها وعقلياتها، او تغيّر اداء وسلوك من يتعاملون من موظفيها مع الناس.

والناس هنا.. نحن الذين بتنا ندفع ثمن كل شيء.. ليس كسابق عهدنا في مؤسسات الحكومة، صرنا ندفع ثمن مكالمة الاستفسار عن رقم هاتف، ووجب علينا دفع كل خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي وخدمات "المسج" على أسس تجارية تحقق الارباح لهذه المؤسسات، وبالتالي توقعنا ان ترتقي مستويات الخدمة او ان يتغير "توون" الموظف الذي كان حكومياً. فجاءت الخصخصة في بعض المؤسسات، فبقي نفس "التوون" للموظف المتخصخص وايضاً الذي "روحه في انفه".

الغريب ان الكثير من موظفي الشركات "الحكومية سابقاً" المخصخصة "حالياً" ما يزالون هم أنفسهم حكوميين حالياً ولم يتخصخصوا بعد، وكأنهم لبسوا رداء الخصخصة من دون ان يكلفوا أنفسهم عناء التفكّر بمقتضيات ان تكون موظفاً جلّ العلاقة التي تحكم بينك وبين المواطن الخدمة الجيدة والربح المعقول.

في شركات الماء والكهرباء المخصخصة، ما نزال نتابع أخطاءً في الفواتير، وقطعاً عشوائياً تشهد له مئات القصص كل يوم (هذا لا يحدث طبعاً في القطاع الخاص عموماً).

وما يزال الموظف في تلك الشركات يتعامل بحس الموظف الحكومي الذي لا يُناقش، ولا يغير رأيه حتى وان اكتشف ان ثمة خطأ في فاتورة ارتكبته الشركة او البنك الذي يتلقى تسديد الفواتير.

إلى هنا.. وبسبب تاريخية العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكومة التي اساسها الاستكانة امام اوامر الموظف الحكومي حتى وإن كان صوتاً مسجلاً.. نرضى ونسكت.. حتى ندخل في دوامة القطع "العشوائي" لكل شيء.

مع مطلع الشهر.. تُفصل الخدمة الهاتفية.. يدفعها المواطن.. ايام قليلة ثم تُفصل خدمة الانترنت.. يعود المسكين لدفعها.. ثم يكتمل "الطابق" عندما تُفصل الخدمة مجدداً، عندما يكتشف المواطن انه لم يدفع خدمة "المزود".. وهكذا يقضي المواطن "الفاضي" أيامه في ملاحقة فواتير تلد أخرى ليسددها.

المشكلة اننا أدمنّا الحب لمؤسسات الحكومة، فتجدنا إن هي تركتنا نسعى للالتصاق بها وبخدماتها حتى بعد الخصخصة.

المفهوم الكبير الذي دخل إلى الاقتصاد الوطني لإنعاشه وإطلاق مبادرات جديدة فيه، لم يقابل من طرف بعض مؤسساتنا بالاستعداد بتأهيل الناس ورفع كفاءتهم وخلع "البزة" الحكومية عن أدائهم.. حتى ينطلقوا في خدمة الناس والمؤسسات معاً، لا أن يؤكدوا "للعبيد الفقراء إلى الله" في كل لحظة.. ان حياتنا كلها مخصخصة.. لغايات ضبط الجودة.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خصخصة الأفكار (أحمد عبدلله)

    الاثنين 17 آب / أغسطس 2009.
    أوافق الأستاذ هاني البدري في ما ذهيب اليه خاصة و اننا كنا نصدق وعود عرابي الخصخصة كونها حبل نجاتنا من حالة الانكماش الاقتصادي التي لعبت فيهاالعقلية البيروقراطية دورا رئيسيا فنبذنا العهد الاداري الفئت بكل عناصره و توجهنا للخصخصة و التي فوجئنا اننا وحدنا المتلقين الذي أقبلنا عليها ذلك أن بقاء الادوات البائدة من عناصر بشرية هو السبب في تدمير الحلم بانعاش اقتصادنا و النماء بمقدراتنا .. ما ذكره الكاتب بالتحديد موضوع بقاء الفكرية البيروقراطية لدى العاملين في تلك المءسسات المتخصخصة و الذي يحتاج الى اعادة نظر في الشكل العام للهيكلة الوظيفية و عناصرها .
  • »الطرف الثاني (محمد زِكري)

    الاثنين 17 آب / أغسطس 2009.
    حين قرأت ما كتب الكاتب هاني البدري في موضوعه الحافل بالقضايا التي مر عليها مروراً كريماً لضيق المساحة إلا انها حملت العديد من الخفايا التي قد لا نرها واضحة وضوح العين.
    فلكل عمل ناجح من خلفه روادٌ يسعون إلى تحقيق اكبر قدرٍ ممكن من تلك النجاحات فتعود بالفائدة المشتركة للمستثمر والعميل، إلا اننا نرى من حولنا في كثير من الاحيان الفائدة تعود للطرف الاول والقليل القليل للطرف الثاني الذي من حقه اكتساب الفائدة كحق من حقوقه المكتسب.
    فإشارة الكاتب «للخصخصة» التي اتت دون سابق انذار لم تأتي من فراغ، ذلك لانها لم تُبنى على اساسات واضحة المفاهيم لدى تلك المؤسسات؛ فلم نلحظ التغيير المنقلب النظير لانطلاقتها، إلا انها اداركت مؤخراً تلك التغييرات وبدأت بخلق روح التجديد لعلها تصل بنّا إلى ما وصل له غيرنا -لست اقصد هنا بالتجديد وضع بنود مستحدثة يدفعها الطرف الثاني-، فنعزي ذاك التأخر لغايات ضبط الجودة، وهو بالاصل عدم القدرة لتلك المؤسسات على فرض ممارساتها المستحدثة في كل المعايير من حيث الخدمة والمزايا التي تقدمها للطرف الثاني، فالهدف الوحيد التي تضعه نُصب اعينها الربح المادي فقط.
    وكل عام وانتم بخير، بمناسبة اقتراب شهر رمضان الكريم اعاده الله علينا وعليكم باليُمن والبركات
  • »سلملي على الخصخصة!! (احمد علان)

    الاثنين 17 آب / أغسطس 2009.
    الخصخصة في بلدناعملية "ترقيع" لخسائر القطاع العام(المخصخص) وذلك عن طريق
    "جرد جيب المواطن الغشيم"!!
    ومن مسمياتها : قرصنة ،حرمنة وضحك على الذقون !!