حاكمية الشركات والأزمة العالمية

تم نشره في الأحد 2 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

ربما كان أبرز سمات الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة انها كانت أول أزمة ذات طابع عالمي حقيقي. إذ بخلاف الأزمات الاقتصادية المعاصرة، ابتداء من أزمة 1987 (انهيار سوق السندات الأميركية) مروراً بالأزمات الآسيوية عام 1997، ووصولاً إلى أزمة "الدوت كوم" 2001/2003، التي كانت غالباً أزمات أصابت دولاً بالأساس أو مجموعة من الدول، فإن الأزمة المالية الحالية هي أول وأكبر الأزمات التي تتسم بالطابع العالمي. فالأزمات السابقة كانت لها تداعياتها على الاقتصاد العالمي بصورة أو بأخرى، أما الأزمة الراهنة فهي بحق أزمة مالية عالمية الأبعاد، سواء من حيث منشئها أو من حيث امتداداتها وآثارها.

اهتمامنا هنا بالأزمة المالية الاقتصادية العالمية ينبع من علاقتها الوثيقة بقضية حاكمية (أو حوكمة) الشركات وبمسؤولياتها الاجتماعية. ذلك أن هذه الأزمة ربما اتسمت بسمات عديدة، لكن أهمها من وجهة نظر موضوعنا هذا هو انها كشفت عن أزمة حاكمية لدى الشركات، أي أزمة ادارة اقتصادية وأزمة مسؤولية. وبكلمات أخرى، فإن الأزمة المالية العالمية الحالية هي نتاج حاكمية رديئة وانعدام للمسؤولية لدى الشركات، بالمعنى الواسع للكلمة.

يصف الخبير في قضايا المسؤولية الاجتماعية للشركات واين فيزر العلاقة بين الأزمة المالية وحاكمية الشركات ومسؤولياتها الاجتماعية من خلال الحقائق أو الوقائع التالية:

- ان الأزمة المالية الحالية هي نتاج مباشر لعدم المسؤولية البنكية. فحسب جمعية البنوك العقارية، ازداد عدد القروض غير المأمونة التي تمنحها البنوك العقارية بأكثر من 15 مرة منذ عام 1998. وذلك نتيجة الطمع وتجاهل الممارسات البنكية الجيدة، ولا سيما الخاصة بتقييم مخاطر الائتمان.

- ان الأزمة الراهنة هي أيضاً نتاج العمل غير المسؤول لأسواق المال (البورصات): فقد بلغ حجم الأموال المستثمرة في البورصات 600 ترليون دولار منذ الثمانينيات من القرن الماضي، أي 10 أضعاف قيمة الناتج المحلي الاجمالي العالمي! فالمعاملات والتبادلات المالية تغلب عليها اليوم صفات ما يعرف "باقتصاد الكازينو"، حيث المضاربة السريعة هي السمة الرئيسية له. وعلى الرغم من أن هذه المضاربات السريعة يفترض أن تقلل من هامش المخاطرة، إلا أنها تشجع على الممارسات غير الأخلاقية وغير القانونية، ولا سيما تجاهل تقييم المخاطر في الأسواق المالية، وجعل خرق قواعد تقييم المخاطر أمراً نظامياً ومعتاداً.

- ان الأزمة الراهنة هي أيضاً نتاج المؤسسات أو الشركات غير المسؤولة: حيث المصالح قصيرة المدى لحملة الأسهم (Shareholders) هي التي تقود الشركات المساهمة العامة. وهو ما جعل هذه الشركات لا تتردد بالتضحية أو المجازفة بأصحاب المصالح (Stakeholers) من أجل جني الأرباح السريعة القائمة على المخاطرة.

- ان الأزمة هي نتاج المدراء التنفيذيين غير المسؤولين الذين أفحشوا في طلب الرواتب والمكافآت والمزايا. فقد تقاضى المدراء التنفيذيون في عام 2006 رواتب تفوق بـ364 مرة المعدل الوسطي للعامل الأميركي، علماً بأن رواتب هؤلاء (أي المدراء التنفيذيون) كان يفوق بـ42 مرة المعدل الوسطي للرواتب في عام 1980.

- وأخيراً وليس آخراً، فإن الأزمة هي نتاج الرأسمالية غير المسؤولة عموماً. حيث إن المرء يمكن أن يذهب إلى الحد الذي يقول فيه إن الأزمة ما هي الا نتيجة فشل بنيوي لرأسمالية السوق الحرة التي تقودها مصالح المالكين أو حملة الأسهم. ويؤيد الحاجة إلى مراجعة أساسيات هذا النظام قادته أنفسهم، مثل رئيس البنك المركزي الأوروبي "جان كلود ترشيت" الذي يعتبر أن الأزمة هي نتاج فشل اتفاقية "بريتون وودز"، منذ وقوع التراجع الاقتصادي في مطلع السبعينيات. وهو يطالب بإدخال الانضباط على أسواق المال وكذلك على الاقتصادات الكلية والأسواق عموماً. وقد أطلق كل من رئيس الوزراء البريطاني جوردان براون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تصريحات مماثلة تفيد بأن الهندسة المالية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تصلح للسيطرة أو للرقابة على النظام المالي العالمي.

وفي ورقة أعدتها مبادرة الاتفاق (الميثاق) العالمي Global Compact التابعة للأمم المتحدة طرحت خمس حقائق، أو خمسة أسئلة اساسية، حول التأثيرات الضارة للأزمة المالية العالمية على مسؤولية الشركات الاجتماعية، أو الاستدامة المؤسسية ومبادرة الاتفاق العالمي. وهذه الأسئلة هي:

- كيف يمكن استعادة الثقة بالأسواق، بعد أن فقد الرأي العام ثقته في القطاع الخاص والأسواق بصورة ضارة جداً؟

- كيف سيؤثر ذلك على المبادرات الطوعية لأسواق المال وعلى علاقتها بأمور التنظيم والقوانين؟ فقد دفعت تداعيات الأزمة الحكومة إلى اتخاذ اجراءات انقاذية، شكلت سابقة للقطاع العام في إحكام سيطرته على الأسواق المالية والاستثمارية.

- هل ستستمر الشركات بالالتزام بالاستدامة المؤسسية أو المسؤولية الاجتماعية، خلال مرحلة الهبوط الاقتصادي؟ إذ من الواضح أن الأزمات المالية تؤثر على الاقتصاد الحقيقي وهي مسؤولة عن التراجع الاقتصادي العالمي.

- هل ستحل العوائق والحواجز على التجارة والتبادل، محل 25 سنة من النمو الاقتصادي العالمي القائم على الانفتاح والشركات متعددة الجنسية؟ خاصة وأن نمو عدم الثقة في الأسواق يدفع الاتجاهات الشعبوية نحو المطالبة بالمزيد من التدخلية والابتعاد عن الاندماج الاقتصادي العالمي.

- هل تعيد الحكومات توجيه أولوياتها نحو سياسات تحل محل الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص (P.P.P) من خلال وضع قيود جبرية على موازنات الحكومات وإعادة تحديد الأولويات لغير صالح هذه الشراكة؟.

وتجتهد مبادرة الاتفاق العالمي في الاجابة عن هذه الأسئلة بطرح مهمة إعادة بناء الثقة في الأسواق من خلال مجموعة من الاجراءات.

وبالعودة إلى تأثيرات الأزمة على مسؤولية الشركات الاجتماعية، أظهر استطلاع قامت به "المدونة العالمية للمسؤولية الاجتماعية" أن الأزمة المالية ستترك آثاراً ملموسة على ممارسات المسؤولية الاجتماعية، حيث أفاد 44 % من خبراء (CSR) بأن المسؤولية الاجتماعية سوف تزداد كنتيجة للأزمة. في المقابل اشار 26 % منهم الى انها ستحدث تغييراً في المفهوم والممارسات، و22 % منهم قالوا إن الأزمة سوف تضعف ممارسات المسؤولية الاجتماعية.

وفي رأي الخبير واين فيزر، الذي سبق أن استشهدنا به، فإن تأثير الأزمة على مسؤولية الشركات الاجتماعية يعتمد على طبيعة أو نوع الممارسات الاجتماعية للشركات. حيث يرى ان الضرر الأكبر سيقع على ممارسات العطاء أو الأعمال الخيرية Philanthropy التي تتعلق بأشكال الرعاية والدعم، المنح وأعمال الخير، التطوع الوظيفي ... الخ، حيث ستعاني من الاقتطاعات خلال فترة التراجع الاقتصادي. وبكلمات أخرى، فإن أعمال الخير وأشكال الدعم المالي للشركات ستكون الأكثر تأثراً من بين الأشكال الأخرى للمسؤولية الاجتماعية.

وفي المقابل، فإن أشكال المسؤولية الاجتماعية للشركات ذات الطابع الاستراتيجي سوف تتأثر بصورة أقل، وهكذا فإن الأزمة ستدفع الشركات نحو التوجه إلى مجالات بعيدة المدى مثل الاهتمام بإدارة المياه النادرة، قضايا الفقر، البيئة ...الخ.

ممارسات المسؤولية الاجتماعية مدعوة لأن تصبح مثل البصمة الوراثية (DNA) لكل منظمة أو مؤسسة. وإذا ما استمرت الأزمة لفترة أطول، فإنها سوف تكشف ما اذا كانت المسؤولية الاجتماعية تشكل جزءاً من مؤسسة الأعمال وفي القلب منها، أم انها مجرد قناع لها؟!

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سينتهي (قيس ألبياري)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    مسلسل الجرائم سينتهي . .