إبراهيم غرايبة

النراجسة

تم نشره في الجمعة 24 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

ربما تكون مهمة عسيرة تغيير النفوس، وهي ابتداء كانت هدف الأديان والفلسفات على مدار التاريخ الإنساني، فهي تسعى على الدوام إلى اكتشاف ما يمكن للإنسان أن يمنحه لنفسه، والناس أكثرهم يعملون بدافع الواجب، ماذا يمكن أن نفعل لنعالج انفسنا ونعدل سلوكنا على النحو المطلوب والمرغوب؟ ربما يكون فهمنا لمشكلاتنا ومحاولتنا لعلاج أنفسنا أفضل ما يمكن أن نقوم به لمعالجة أمراض وظواهر مرعبة ومدمرة في حياتنا ومجتمعاتنا.

فالاستغراق في الذات أو النرجسية هو مرض يحتاج إلى تدخل علاجي طبي، ونحن هنا في مواجهة حالة وباء يتفوق على إنفلونزا الخنازير والطيور، وإذا كانت القبلية معوقا أمام الإصلاح والديمقراطية ونشوء المدن وتطورها فإن قبيلة النراجسة التي ربما تكون القوة السياسية والاجتماعية الأكبر في مواجهة التنمية والإصلاح، ولكن مواجهة النرجسية والنراجسة لا يمكن إلا بنشوء رغبة ذاتية في التغيير، الاعتراف بالمشكلة أولا، وبغير ذلك فسوف نظل ندفع ثمنا كبيرا على حساب سعادتنا وتماسك الأسر ونجاح الأفراد والمؤسسات، وإذا لم يكتشف بخاصة الكتّاب والسياسيون والفنانون أنهم يعانون من مرض يحتاج إلى علاج ذاتي فسوف نظل في معاناة مدمرة.

إن وظيفة العقل هي ترقية الحياة كما يقول الفلاسفة، وإذا لم تتشكل قواعد عقلانية للعمل والسلوك والحياة فإننا نغرق في بحر من الخواء والتفاهة، المدارس والجامعات والصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية وشبكة الإنترنت والمجالس والمقاهي تتحول إلى شبكة من الخواء والعبث والصرف الصحي، ثم إن هذه الشبكات تبث فينا محتوياتها وتشكلنا على النحو الذي تنتجه!

يفاجئني إريك فروم بالقول إن الإنسان ليس حيوانا، وهذه إحدى مشكلاته، لأنه لو كان حيوانا لكان عاقلا تماما، لأن الغرائز الأساسية في الحياة توجه الإنسان لصالحه، ولذلك فإن الحيوانات لا تدمر نفسها، وتعمل على نحو منظم وواع للاحتياجات الحقيقية والأساسية، وبالطبع فإنها عبارة حتى تبدو صحيحة تحتاج للتمييز بين الغرائز والأهواء وبين العقل والفكر.

فليس عند الحيوان حسد ولا رغبة تدميرية لأجل التدمير ولا رغبة في الاستغلال او الهيمنة أو السادية، وهي تظهر لدى الإنسان ليس لأسباب غرائزية.

وهكذا فإنه لتحقيق النمو الإنساني نحتاج إلى شروط معينة، ولا مناص للمريض لكي يتغير من أن تكون لـه إرادة هائلة ودافع قوي إلى التغيّر، وليس لدي الحق أن أتحدث من وجهة نظر القاضي لأحكم على التصرفات والكتابات وأنماط السلوك، ولكنا نملك جميعا الحقيقة الواقعة بأن أحدا لا يتعافى ما لم يكن لديه شعور بالمسؤولية والمشاركة.

كان النمو الإنساني النفسي الصحيح يدرج في فلسفة الأخلاق والفكر، وفي ثقافتنا يفترض أن تكون إجابات تتطور وتتغير لتجعل للحياة معنى ولتوجه السلوك والأفكار والمواقف، أن نصنع شيئا في حياتنا، أو ننجح، أو نرتقي في السلم الاجتماعي والاقتصادي، وإذا كان ذلك يقتضي عملا متواصلا وشاقا فإن تشكيل الذات وفق هدف مرغوب فيه يحتاج إلى تدريب وعمل طويل ولا يتحقق تلقائيا بمجرد النمو ومرور الزمن، وكما يتدرب لاعب كرة القدم ساعات طويلة يوميا فإن الإنسان السوي يحتاج إلى ساعات طويلة من التدريب والتشكيل لينجو من العاهات والأمراض النفسية والعقلية والسلوكية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صراع القوى والمصالح (خوله مناصرة)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    يقول فرويد في كتابه " مدخل إلى النرجسية" إن الإسقاط يتجسد بصورة خاصة عند الشخص النرجسي الذي يضع اللوم دائما على الأخر لأنه – النرجسي – لا يمكن أن يعتبر نفسه مخطئا في شيء، فيبحث عن أسباب الفشل والتقصير عند غيره بدافع من أنانية مفرطة. ويرى النرجسي - وهو إنسان عاشق لنفسه - يري أنه أفضل الناس ويستبيح لنفسه استغلال الناس وتسخيرهم.
    والنرجسي يهتم كثيرا بمظهرة وكيف يبدو في عيون الآخرين وكيف يثير إعجابهم ويستفزه التجاهل جدا ويحنقه النقد ولا يريد أن يسمع إلا المديح وكلمات الإعجاب"
    فالتاريخ البشري كما يراه فرويد، ما هو الا مجموعة لا متناهية من الصراعات بين الجماعات المختلفة، وكيانات صغيرة وأخرى كبيرة، صراعات على المصالح باستخدام العنف والقوة لتقرير من يملك، ومن يسود، ومن يتحكم.
    كما يري فرويد ان لغرائزالإنسانية نوعان : غرائز تسعى للحفاظ على النوع، غرائز أخرى تسعى الى التدمير. لذلك يرى فرويد ان أن المخلوق الحي يعتقد دائماً انه يحافظ على حياته الخاصة عن طريق تدمير حياة خارجية.
    يرى فرويد ان ما يمكن ان ينقذ الإنسان من الغرائزالتدميرية هي الثقافة، التي تعمل على تقوية العقل، الذي يستطيع ان يكبح جماح الغرائز، ويحد من السلوك العدواني.
  • »النرجسية وما ادراك ما النرجسية !!! (تامر حسني)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    مقالة رائعة يااستاذ ابراهيم غرايبة ...فالنرجسية كانت موجودة دائما وابدا منذ بدء الخلق !!!
    النرجسية مرض نفسي صعب إذا لم يجد تهذيبا للنفس البشرية من خلال التربية البيتية الصالحة وتعويد الاخرين على محبة غيرهم وان الدنيا ليسن ملكا لاحد وان حرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الاخرين !!
    الانا العليا عندما تتغلب على الانا السفلى وهو الامر الحاصل في ايامنا هذه !!!! جميع المداخلات جيدة اليوم وجادة وذات مغزى .. وأخص منها مقالة العميد فتحي الحمود ...فسواء أكانت رمزية او واقعية ... وأعتقد انها من نوع الكتابة الرمزية التي تحتاج لقدر كبير من الذكاء وبعد النظر للفهم الدقيق لمثل هكذا مداخلات !!. الحمار الباكي يمثل الشريحة الواسعة من الناس المغلوبين على امرهم ... والحمار الضاحك يمثل الشريحة القليلة الا انها المتحكمة والمستهترة بالقوانين والانظمة والتقاليد الفاقدة للقيم والاخلاق !!!. أرجو ان لاأكون مخطئا في تحليلي للمقالة والمداخلات القيمة . نحن لاشك بحاجة لهذا النوع من الكتابات التي تحدث تفاعلا داخل المجتمع الواحد !!!فشكرا للجميع ز
  • »رائع (ابو السعود)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    مره اخرى واخرى كتابات رائعه يا اخ ابراهيم بلا شك انك تسبق محيطك
  • »للنرجسية وجوه كثيرة (يوسف العواد)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    الكاتب الفاضل يشير الى افة خطيرة تهدد كيان المجمتع وهي النرجسية بين افراده وهي بلا شك تقتل المثل الانسانية وتنحد ر بها الى مستوى دون الحيوان. ولكن النرجسية بالاضافة الى انتشارها بين الافراد فهي ظاهرة عالمية مارستها الدول القوية على الشعوب الضعيفة. الحروب و الاستعمار والتفرقة العنصرية هي ممارسات نرجسية. القوانين في بعض الاحيان تصاغ بشكل يخدم فئة صاحبة نفوذ ومال على حساب فئة ضعيفة وفقيرة هي شكل من اشكال النرجسية. بعض الاعلام الذي يجمل اصحاب النفوذ و الاحزاب و الشخصيات شكل من اشكال النرجسية. وهناك الكثير من الامثله يمكن قياسها على هذه الافة الخطيرة. وما تصرف الافراد الا انعكاس لهذه لما يروه ويسمعوه ويقرأوه.
  • »Great job! (ruba)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    totally agree, narcissism is our greatest vice and hider towards progress and rising above our egos and actually being true to ourselves and others...being the best beings we can truly be....
    as usual Abu Jihad two thumbs up!
  • »وكيف سيقتنعون أنهم مرضى (سمير البطاينة)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    مقالتك يا أستاذ غرايبة جميلة وان كانت متخصصة ومكتوبة بلغة غير سهلة ولكن برغم جمالها واهميتها فإن ما تدعو اليه مرتبط بان يقتنع النراجسة انهم مرضى وبحاجة لعلاج وهذه هي المشكلة برايي التي تفوق المرض نفسه خطورة
    كيف سيعرف هؤلاء الكتاب والسياسيون والمدراء وسائقو المركبات والشباب انهم مرضى لم يغادروا الطفولة.
    كيف سيعرف كاتب يعلق على مقالاته باسم معجبة تتساءل عن اسرار كتابته أنه يسلك سلوكا مرضياخطيراعلى نفسه والآخرين
    كيف سيقتنع سائق عربة يريد ان يستحوذ على الطريق ويمنع الآخرين من استخدامها انه كائن خطير يجب مقاومته وعزله
    والله اني اقول لكن من موقع متخصص ومجرب مشكلتنا مع هؤلاء المرضى خطيرة جدا والمشلكة الاكبر انه في حالة مثل انفلونزا الخنازير فإن المرضى يهرعون ويبادورن للعلاج وهذا سبب الشفاء ولكن اولئك المرضى يحسبون انهم اصحاء
  • »هل رأيتم حمارا يبكي ....؟؟؟؟؟!!!!!! (العميد المتقاعد فتحي الحمود)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    أنا بالامس رأيت حمارا والدموع تنهمر من عينيه ...الساعة كانت السادسة والنصف مساء ...المكان بجانب إحدى حاويات القمامة في "ضاحية أساتذة الجامعة الاردنية " بينما كان صاحبه وراكبه " الولد " ينبش في الحاوية عن علب وزجاجات فارغة , ومعها يقوم بتفريغ الاكياس البلاستيكية وجمعها , وأية أشياء أخرى لاأعرفها ...!!!
    كأن الحمار يقف حزينا بائسا ومتألما ...لأن حمله كان ثقيلا ولابد انه قطع خلال ساعات عمله عشرات الكيلومترات من النكز الذي يمارسه ذلك الولد " اللئيم " في مؤخرة الحمار المسكين !!!!
    وإذا كان السبب لاعلاقة له بالحمل الثقيل ...فإنه يعاني من التهاب العيون الذي يتسبب بإنهمار الدموع وعدم وضوح الرؤية ...!!!
    حشريتي دفعتني لتنبيه الولد الذي ذكرته لما رأيت ...فرد علي وبعصبية : " وانت مال ابوك " !!!
    على مدى ساعة ونصف من السير السريع ومحاولتي اليائسة لنسيان ذلك المنظر الحزين ...كنت ادعو الله تعالى ان يهدي " ابراهيم الغرايبة " ليكتب مقالا عن الحيوانات لأعلق عليه وسهرت لقراءة "الغد " ومباشرة الى مقاله ... وإذا به قريب من الموضوع الذي اشغلني !!!!
    اليوم آمنت بالطب البيطري وضرورته لمعالجة الحيوانات وبخاصة تلك التي تتعرض لظلم البشر مثل ذلك الحمار المنكوب بولد لايرحم !!!
    لابل فإنني أطالب بإستحداث فرع للطب البيطري النفسي ... وبخاصة انني شاهدت في طريق العودة حمارا يضحك ...فعرفت ان عالم الحيوانات تماما مثل عالمنا ...!!!
    أما بالنسبة للحمار الذي كان يضحك .. فإن وضعه كان عكس زميله !!! فلقد كان يركب سيارة فارهة من ذوات الدفع العالي , ويلبس ساعة " رولكس " , ويتحدث بالهاتف الخلوي من النوع الفاخر - ويبدو انه كان يتحدث مع صديقته او حبيبته , ويسير بعكس إتجاه السير , ويقوم بالتشحيط في ضاحية الرشيد على طريقة التخميس والتسديس ويتسابق مع حمار آخر يركب سيارة مكشوفة وموديل سنتها !!!!
    فقلت في نفسي سبحان الله ... كيف خلق الدنيا ...واحد يبكي , وآخر يضحك ... ولكل سببه !!!
    رويت ما حدث معي لصديق مؤتمن ...فرد علي بالقول وبسرعة : " ولكن يا صديقي فالحمار يبقى حمارا"!!!! . وأردف : " سواء أكان راكبا أم مركوبا " !!.
    بصراحة كلام صديقي لم يعجبني ..لأنني أعتبر الحمار مخلوقا ذكيا بدليل انه شق معظم الطرق الجبلية في العالم أجمع ... فسموها طريق الحمير ...لانه كما يبدو انه يملك حاسة مهمة الا وهي حاسة الشعور بالخطر المسبق !!!!
    كثيون سيعتقدون انني أمزح وأكتب بسخرية ... الا انني أطلب منهم ان يصدقوني بدون قسم .. خاصة على القسم الاول من تجربة الامس والمتعلقة بالحمار الذي كان يبكي !
    شكرا لابراهيم غرايبة على توارد الخواطر ...فلقد اعجبت بهذا الكاتب المتميز من اول مقال قرأته له !!!!!!