الصراع فوق سجادة صلاة واحدة

تم نشره في الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

   بعد أن تم جز أعناق سبعة صوماليين بحد السيف علناً، قبل أيام قليلة، وتسلم ذووهم أجساداً مقطوعة الرؤوس عن يد صاغرة، تجلت على الملأ بصورة أفظع من أي مرة سابقة، واحدة من أكثر متلازمات الصراع على السلطة شيوعاً داخل بقاع عديدة في ديار المسلمين الشاسعة، ونعني بذلك خاصية إقصاء الطرف الآخر كلية، وإخراجه من اللعبة تماماً، وإذا أمكن استئصال شأفته بالكامل، طالما أن العقيدة البينة لا تتسع للتنوع أو تحتمل الاجتهاد في إنفاد أحكام الشريعة، وأنه فوق ذلك كله ليس هناك موضع قدم على الصراط المستقيم لشريك آخر، حتى وإن خرج من تحت ذات العباءة الواسعة.

  ولسنا في معرض التفجيع على دماء سبعة ضحايا صوماليين عاثري الحظ في الحياة والممات، وهم في واقع الأمر لا يشكلون أكثر من وجبة عشاء متقشفة على مائدة صومالية عامرة، يومياً، بأشلاء عشرات الفقراء الناحلين، المتصارعين بلا هوادة على اللاشيء، الممسكين برقاب بعضهم بعضاً حتى الموت، من أجل الفوز بأسمال الثياب وكناسة الكناسة وأسراب الذباب، لكأن هؤلاء الشركاء في الوطن والدين والمجاعة، المفتقرين إلى الخبز والماء والأحذية، قد انتدبوا أنفسهم بأنفسهم لإقامة الدين في مالطا، وتعهدوا بالنيابة عن الأمة الشروع في الجهاد والفتح والهداية إلى التي هي أقوم، حتى تزلزل الأرض زلزالها يوم القيامة.

   ذلك أن الحالة الصومالية بتجلياتها المغرقة في العبث والشقاء والعدمية ليست هي الاستثناء الوحيد على القاعدة الذهبية المعمول بها في إدارة الصراع على السلطة بين فرقاء فقراء مدججين بالأسلحة والهراء والتعصب، إلا أن الصومال الطاعن في التناحر والانقسام والقرصنة، يظل هو المثال الأبرز على مدى فجاجة كليات المشهد الذي يتسابق فيه فتية صغار على أولوية الدخول إلى الجنة، ونساء معدمات يواصلن الهروب إلى اللامكان من جحيم نار الأخوة، وقادة مليشيات قبلية يتنازعون بالأظافر والأسنان على احتكار ملكية سجادة صلاة باتت بالية، حتى لا نقول مجرد خرقة ممزقة.

   وعليه، فإن تجدد ظاهرة قطع الرقاب في الصومال، التي تعيد إلى الذاكرة الغضة مشاهد مماثلة حدثت في أنبار العراق قبل سنوات قليلة، ينبغي لها أن تشعل الضوء الأحمر، وأن تقرع جرس الإنذار في مسامع حتى من في أذنه وقر، برسالة نصية قصيرة مفادها أن التعصب الديني عاقبته وخيمة، شأنه شأن التعصب العرقي الذي سبق له أن ملأ الأرض حروباً واستعماراً وتمييزاً عنصرياً ضد أقوام ضعيفة، خصوصاً أقوامنا نحن، مع فارق أن التعصب المسكون بحنين جامح إلى زمان القرون الوسطى، تعصب غير قادر سوى على الفتك بأصحابه، وترويع محيطه، وتشديد مشاعر الكراهية والعداء ضد كل المنتسبين لرايته.

  وحين نقول: إن الحالة الصومالية ليست الاستثناء على القاعدة، وإن كانت هي الأبرز حضوراً بعد أن اشتد النفير بين قضاة المحاكم الشرعية من جهة، وشباب المجاهدين ومجاهدي الحزب الإسلامي من جهة ثانية، وجرى ذبح سبعة أشباح رجال أزهقت أرواحهم كعبرة لمن يعتبر من ذوي الألباب، بتهمة الخيانة والردة، كجواسيس ومسيحيين، فإننا نلفت الانتباه إلى أن ما يجري في بلاد السودان والأفغان والباكستان وغيرها هو مجرد تنويع على اللحن الدموي ذاته، حيث القاتل والمقتول من عصبية قومية واحدة ومذهب ديني واحد، يتقاسمان معاً ذات الخراب والتخلف ورثاثة الحال، ويتنازعان في الوقت نفسه فوق تلك السجادة التي شربت بسخاء، وارتوت غزيراً بما يكفي من نقع الدماء.

 ذلك أن تنساخ هذه المشاهد المرعبة في أكثر من بلد إسلامي واحد، واحتدام أوار معارك التذابح الأخوي الحميم بين جماعات تدعي الحق، كلٌ لنفسها، ألحق بالصورة الإسلامية ضرراً أشد فداحة من كل ما ألصقته بها الماكنة الإعلامية الغربية، ووضع المسلمين كافة في موضع الشبهة لدى الغرب، الذي راح يغذي مخاوفه المبالغ فيها إزاء ما يسمى بـ " الإسلاما فوبيا " ويبني على هذه المشاهد المرعبة ويستثمر فيها، إلى الحد الذي صار فيه الإسلام في زماننا هذا، مشكلة ليس فقط لأتباعه، وإنما بات مشكلة تستعدي الأوروبيين وتستنفر الأميركيين وتثير مخاوف الهنود والروس، فضلاً عن الصينيين مؤخراً، حتى لا نقول أنها باتت تستعدي العالم كله ضدنا، وتزيد من تكالبه علينا. 

  على أن ما يعنينا من الأمر كله، هنا وفي المحيط الأقرب إلينا من حبل الوريد، هو ما يتبدى في الأفق من مظاهر تعصب مماثلة، أحسب أن تراكمها شيئاً فشيئاً من شأنه أن يفضي إلى تحول نوعي يعيد إنتاجها، من مظاهر عامة إلى ظاهرة طامة، تأخذ بمجتمعاتنا المفطورة على الاعتدال والتسامح والوسطية، لتلبسها أسمالاً صومالية رثة، أو ماركة طالبانية مسجلة، إذا ما جرى غض بصر الحكومات والمجتمعات سوية، عن مآلات هذا الانجراف المتدرج، وعن عقابيل محاكاة قلة قليلة بين ظهرانينا لتلك النماذج، التي تواصل التخبط في دم أصحابها وتكابر في مواجهة الاستحالات التامة، إلا أنها مع الأسف الذي يخالطه الخوف لا تزال تلهم بعض المتطرفين ممن يحاولون حمل السلم بالعرض، ويقعقعون بالشنان آناء الليل، وهم يغذون الخطى في الطريق إلى جنة أرائكها أرحب من مساطب بيوتهم الضيقة.

 ولعل رأس الحكمة هنا ماثل في وجوب دعوة أولي الأمر، وأرباب القلم والسيف والحكمة، إلى ضرورة اتباع سياسة احتواء لا ينقصها الحزم وسعة الخيال وفاعلية القانون، لتقليم فروع هذه الشجرة التي مدت غصوناً لها في أكثر من بلد عربي ومسلم، وأينعت قطوفاً داميات في غير موضع واحد، على نحو ما حدث في العراق مثلاً، أو على نحو ما وقع في قطاع غزة بدرجة أقل، ناهيك عن الجزائر من قبل، حيث الاعتقاد بالطهرانية وامتلاك الصواب كله، والرغبة المطلقة بالاستئثار بمفاتيح أبواب الجنة، جنباً إلى جنب مع استشراء عقلية التخوين وتكفير الآخر، وفي ظل غياب سلطة مركزية قوية، نقول إن ذلك كله تضافر لشق مجرى ساقية ماء صغيرة، راحت تمد تلك الغصون الطالعة من جذع الشجرة ذاتها بمعين لا ينضب من الأوهام عن الذات، وفيض من التطرف واللغو والانغلاق. 

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عماله (امجد ابوعوض)

    الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2009.
    دائما وأبدا يبقى العميل الاستراتيجي للعدو هو الجهل الذي يسيطر علينا . كل جاهل يعيش بيننا عميل للعدو وفي الصومال لا اعرف شخصيا من العدو هل هو الغرب (امريكا واروبا) ام هل هو الشيطان نفسه (ابليس) . لا اعرف معنى الجهاد في سبيل الله الذي اعلنه الظواهري وطالب وحرض المجاهدين المسلمين على الحرب من اجل اعلاء كلمة الله والتي لا يمكن ان ترتفع الا اذا قطعت الرؤوس والايدي وجلدت الاجساد .
    لا اعرف اين كان الظواهري عندماجاءت القوات الاثيوبيه لتحتل الصومال وتطرد شيخ شريف منها لماذا لم ينادي للجهاد ام ان اثييوبيا كانت تقوم بدورها على اكمل وجه في القتل وسفك الدماء . (الكتاب والحكمه) كلمتان وردتا كثيرا في القران اما الكتاب فهو النصوص الشرعيه التي لا ينظر اليها الاسلام على انها كافيه في ادارة الحياة لانها تجعل الدين جامدا ينقصه التفاعل مع العنصر البشري لذلك كانت الحكمه هي فضل الله الذي يختص به من يشاء وكان العنصر البشري نقطة ارتكاز لهذا الدين الم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم اعز الاسلام باحد العمرين) اشكر الكاتب على هذا المقال والذي بدا فيه منفعلا حزينا على احوالنا ولكني لست معه في ذكر قطاع غزه في هذا السياق.