الانسحاب الأميركي "الجزئي" من العراق

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

فقط عندما تبنى العالم الرؤية الشرق اوسطية للشأن العراقي، استقر العراق وعاد لخط مساره الصحيح

اي انسحاب وانهاء للاحتلال يعتبر اخبارا جيدة لنا في الشرق الاوسط، ومهما بلغ تواضع خطوة انسحاب القوات الاميركية من المدن العراقية، سيما ان عشرات الآلاف من هذه القوات ستبقى محتلة للعراق حتى العام 2011، فإننا ما نزال نعتقد انها خطوة ايجابية وفي الاتجاه الصحيح على طريق استعادة العراق لسيادته الكاملة.

تظهر اهمية هذه الخطوة عندما نعود بذاكرتنا للتاريخ القريب حول المشهد العراقي الذي كنا أثناءه نعتبر العراق شغلنا الشاغل واولويتنا الاولى الى حد اننا قد وصلنا بتحليلاتنا عن ما يجري في هذا البلد الشقيق لدرجة نقاش خطورة الانقسام والتقسيم، بعد ان كان ذلك احتمالا واردا، ونقاش الاسس المحفزة للعنف الطائفي، بعد ان بات ذلك العنف بديهية من بديهيات المشهد العراقي، وتناولنا ايضا في تلك المرحلة السوداء من تاريخ العراق كيف انه قد تحول لحديقة امامية لايران وطموحاتها الاقليمية بعد ان تمدد النفوذ الايراني ليملأ الفراغ السياسي والامني هناك. الان تبدد ذلك نسبيا فمنذ اشهر عديدة اتخذ المشهد العراقي منحى ايجابيا وهدأ لدرجة انه لم يعد يعتبر اولوية عليا للاستقرار الاقليمي بل بالكاد احد الملفات المطروحة للنقاش ليس الا.

يأخذ وعي الشعب والقيادات والنخب العراقية الكثير من الفضل بسبب الاستقرار النسبي الذي عاشه العراق مؤخرا، ويضاف لذلك وجود قيادة اميركية اقتنعت اخيرا بضرورات الانصات والتصرف ضمن رؤية عراقية من الداخل متخلية بذلك عن كل الوصفات الكولونيالية التي تدرس في معاهد الدراسات الاستراتيجية. تبني اطار سياسي عراقي المنشأ للتعامل مع المشهد العراقي والشراكة الحقيقية مع كفاءات الشعب العراقي استطاعا ان يجلبا امنا نسبيا للعراق بعد ان قام العراقيون بتصميم وتنفيذ الخطط السياسية والامنية ما جعلهم يشعرون بامتلاكهم الجمعي لهذه الخط وبالتالي الدفاع عنه. امضينا سنين ونحن نكتب ونحاول ان نقنع المجتمع الدولي والاميركيين بتقييمنا الشرق اوسطي للعراق والذي يحدد عناصر القوة وكيفية التعامل معها بطريقة تختلف عن التقييم الغربي لها، وما أزال اذكر بعض التقييمات الغربية التي تحدثت عن ما يحدث بالعراق على انه "امر طبيعي وان العراق يمر بمرحلة اشبه بالحمى التي تصيب المريض والتي يجب ان تأخذ مجراها!" فقط عندما تبنى العالم الرؤية الشرق اوسطية للشأن العراقي، استقر العراق وعاد لخط مساره الصحيح.

هذا كله تاريخ الان والمهم سيادة ومنعة ووحدة العراق، ونعتقد ان اهم ما يجب الانتباه له في المرحلة القادمة بعيد الانسحاب الاميركي من المدن العراقية الهدوء الطائفي والعقائدي العراقي ونؤكد ضرورة التعامل بحزم مع كل ما من شأنه ان يمس ذلك، ونستقرئ دورا مهما للقيادات الدينية العاقلة في العراق وعلى رأسها الزعيم الروحي السيستاني الذي رسخ مسافة واضحة بين الدين والدولة واعطى للدين دورا شبيها بذلك المعمول به في الدولة العلمانية. يجب الانتباه ايضا لان لا يتم الاطاحة بعناصر النظام السياسي العراقي وتطويعه ليصبح محابيا لفئة من دون أخرى لان معادلة الاستقرار العراقي اتت من خلال العمل بنظام يكفل للجميع درجة مشاركة "مقبولة" وليس "غالبة". واخيرا وعلى مستوى الثقافة السياسية والقيمية السائدة في العراق، فلا بد من استمرار النقاش العام حول ضرورة ان يكون نظام التمثيل النسبي قافزا على خطوط التقسيم الطائفي وليس مرسخا لها.

لا نعتقد ان انسحاب القوات الاميركية في هذه المرحلة وبهذه الطريقة سيقدم العراق على طبق من فضة لايران. سيكون ذلك هاجسنا عندما تنسحب القوات الاميركية بالكامل من العراق، فوقتها سيتبين لنا ما اذا كانت ايران قد احتفظت بخلايا سياسية نائمة لها بالعراق ام لا. على الرغم من ذلك وايا كانت احتمالات التدخل الايراني بالعراق، فإننا وبارتياح نتلمس مزيدا من الاستقلالية واتضاح للمسافات بين القيادات السياسية العراقية وايران وهو ما نعتقد انه بمصلحة العراق قبل اي دولة اخرى.

  [email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أشكالية الاستقرار السياسي في العراق (بدر عارف الحديد)

    الجمعة 10 تموز / يوليو 2009.
    يشكل التصدي لإشكالية الاستقرار السياسي لبلد مضطرب مثل العراق، تحديا في غاية التعقيد لكل باحث في مستقبل العراق، مما يستلزم التزود بمعرفة عميقة بتاريخ العراق المعاصر كما يتطلب استكمال عدة المرء وأدواته في سبر غور الذات العراقية المضفورة بتأثيرات عميقة يصل عمرها إلى آلاف الأعوام، والاهم من ذلك أن يمتلك المرء حسا استراتيجيا مؤسسا على نظرة تكاملية للإشكالية، وفي رأينا المتواضع فإن تناول الاستقرار السياسي في العراق يتطلب التصدي لبحث العناصر اللازمة لبلورة أرضية ملائمة لانطلاق استراتيجية الاستقرار، عبر الجمع بين ثلاثة مفاهيم متكاملة: الأول مفهوم سايكولوجي (الأمن)، والثاني مفهوم اقتصادي (التنمية) والثالث مفهوم قانوني (الشرعية). وإن التأسيس لتكامل هذه العناصر الثلاثة على أرضية من الوحدة الوطنية سيوفر المدخل الحقيقي لاستقرار الدولة العراقيه.نشكركم د.محمدعلى هذه الاضاءه.ودمتم