عيسى الشعيبي

المشهد المرتجل أمام وزارة الزراعة

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

     كان المشهد المرتجل أمام وزارة الزراعة هذا الأسبوع، وما تخلله من مظاهر انفعالية وصور ضارة بسائر الأطراف المتورطة في تظهيره وبثه على الهواء، مشهداً مؤلماً وباعثاً على الأسى بكل المعايير الوطنية المتواضع عليها، في بلد يُعد الاعتدال والواقعية والوسطية بمثابة رأسماله الأكبر والأثمن على الإطلاق.

     وقد تكون هذه المساهمة مجرد قول على قول، إن لم تشر إلى الحلقة المفقودة في السلسلة، أي إلى ذهنية المغالاة السياسية، التي حكمت المشهد المؤسف، وقادت تطوراته غير المحسوبة على هذا النحو الذي بدا لبعض الوقت وكأنه خارج نطاق السيطرة، تدحرجت فيه الملاسنات والمواجهات وردود الأفعال كيفما اتفق، على هيئة قطار صغير خرجت إحدى عرباته عن السكة.

     أول مظاهر المغالاة التي تسارعت وتائرها بمضاعفات متوالية حسابية، تمثلت في إصرار عشرات المحتجين على استيراد منتوجات زراعية إسرائيلية المنشأ على الاعتصام السلمي، من دون الحصول على ترخيص مسبق وفق أحكام القانون النافذ المفعول. ففي أرقى المجتمعات الديمقراطية وأكثرها عراقة، لا يوجد اعتصام أو تظاهرة بلا قانون منظم له، حتى لا نقول ضد القانون، مهما كان هذا القانون جائراً أو حتى مخالفاً لأحكام الدستور.

     وثاني مظاهر المغالاة التي بدت وكأنها تعمل بوتيرة متوالية هندسية، فقد جسدتها المعالجة الأمنية المغالية هي الأخرى في تمسكها الحرفي بنص القانون. فقد كانت سعة الصدر وسعة الأفق معاً، كفيلتين باحتواء الموقف من أساسه، من دون مواجهة، وبغير كلفة سياسية، وبلا كسر للقانون، لا سيما وأن عدد المعتصمين كان يقل عن أعداد الصحافيين والمصورين والفضوليين الذين لم يملأوا فنجان.

     أما ثالث مظاهر المغالاة التي فاقت التوقعات، فقد أتت من حيث لا يُحتسب، حيث تضافرت كاميرات الفضائيات والمواقع الإلكترونية، جنباً إلى جنب مع النقابات المهنية والمداخلات الرسمية، وفائض من التعليقات الانفعالية، في إعادة تظهير الموقف من جديد، حيث بدا المشهد على الفضاء التلفزيوني المغرض، المتسقط لكل هفوة أردنية، وكأنه واقعة كبرى تَجابه في غضونها مواطنون غاضبون محتجون مع سلطات أمن قمعية تفرط ( كذا ) في استخدام القوة.

     وهكذا فقد بدا المشهد المؤسف كمحصلة لمنظومة كاملة من سوء الحسابات والتحسبات، ناهيك عن التشدد والمغالاة من جانب الجميع ضد الجميع، حيث تجلت الصورة من الخارج وكأن المنتوجات الزراعية الإسرائيلية، وتحديداً من المستوطنات اليهودية، تغمر أسواق بلد يصدر فائض إنتاجه الزراعي إلى دول الجوار العربي ويفخر بثروته الزراعية.

     يبقى بعد ذلك كله ضرورة القول إن وزارة الزراعة أحسنت صنعاً حين قررت إلزام باعة مختلف المنتوجات الزراعية بوضع بطاقة منشأ تعريفية لهذه المنتوجات، الأمر الذي من شأنه أن يحاصر نفرا من التجار والوسطاء لا خطوط حمراء لديهم، ولا روادع ذاتية تكبح نهمهم إلى الربح السريع مهما كانت مصادره، حتى وإن كان من منتوجات المستوطنة التي يقيم فيها عنصريون من أتباع كاهانا أو من أمثال أفيغدور ليبرمان.

     خلاصة القول إن الزوبعة التي تجمعت أمام الوزارة، ثم انقشعت سحابتها الصغيرة بسرعة داخل أروقة مجمع النقابات، تنطوي على دروس ثمينة لكل تلك الأطراف التي أسهمت في صنعها على نحو بالغ الارتجال. ولعل أول هذه الدروس وأثمنها ماثل في حقيقة أن التطرف في القول والمغالاة في الفعل ورد الفعل لا يؤديان إلا إلى مثل هذه المواجهات الضارة بالجميع من دون استثناء. حيث لا ديمقراطية من دون حكم القانون وسلطانه، ولا قانون ذا بعد واحد لا روح له، حتى وإن كان جائراً وغير دستوري على نحو ما هو عليه قانون الاجتماعات العامة الحالي، الذي يمكن تعديله بمشروع قانون جديد، إلا أنه لا يمكن تجاوزه، أو الاستقواء عليه بإثارة أعمق الانفعالات الشعبية ضده.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عندما لا نعلم كل الحقيقه (مستاء)

    الجمعة 10 تموز / يوليو 2009.
    انا معك في بعض ما قلت م.ثائر فيما فعلهوه في اطفالنا ولكن لمعلوماتك ان كثير من بذور الخضراوات التي تزرع لدينا وناكل انا وانت منها مصدرها(---)فارجو منك ان تبدا من هناوللعلم ان البندوره ترش لدى كثير بمواد قادمه من هناك مشكوره وزاره الزراعه على ما فعلته وهنا ياتي دور المواطن الحضاري ان اراد ان يكون كذلك بان يقاطع ولا يشتري اما دور نقابه الزراعيين وهي تعلم بما قلته سابقاان لا تكون بوجهين وشكرا
  • »عندما نكتب عن مشكلة في هراري (م. ثائر عواملة)

    الجمعة 10 تموز / يوليو 2009.
    من يقرأ المقال يظن الكاتب يعيش في فانكوفر كندا ويعطي رأيا في مشكلة استيراد القرنفل من البرتغال
    أي قوانين وأي حضارة يا استاذ انها فواكه تستورد من كيان لم تجف أنهار الدم التي فجرها في أجساد أطفالنا وأنت تتكلم عن الحضارة والقانونية في ترتيب الاعتصام ثم ماذا إذا رفض السيد المحافظ نسكت ونلتزم بيوتناونفكر في موضوع آخر
    قناعتي من صورة الكاتب ومن طريقة كتابته أنه يكتب من زمان ومكان غير معلومين