إبراهيم نصر الله وخيوله البيضاء

تم نشره في الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

"من مواليد عمان لأبوين اقتُلعا من أرضهما في العام 48"، هكذا يقدّم نفسَه على الدوام، وقد  تشكل وعيُه مبكرا، مبنيا على الشغف بالحياة والحب والجمال، شرع منذ خشونة أظفاره، في رحلة موازية من الحنين، فظل محكوما بتلك الغربة التي ضربت الروح منه، غير أنها لم تصبها يوما في مقتل، محاولا تطويع اشكال تعبير مختلفة، في سعيه للحفاظ على الجرح  مفتوحا على الأنين.

 إنه الشاعر والروائي والفنان والمثقف، وقبل كل ذلك النموذج الإنساني النبيل، الذي ينتزع الاحترام أينما حل، لفرط تهذيبه وحضارية سلوكه، نأى بنفسه عن ساحة ثقافية محدودة الأفق، جلابة للخيبات في معظم الأحيان وقد استُبيحت خصوصيتُها من قِبل مدّعين كُثُر، فضاعت الطاسة، لكثرة الدخلاء الذي صاروا يتصدرون المشهد زورا وبهتانا.

كان حضوره في مؤسسة شومان كإداري من طراز رفيع، مؤثرا للغاية، ولطالما قدّم  أثناء عمله هناك اقتراحاتٍ ثقافيةً وجماليةً مهمة، وأدار باقتدار العديد من الأنشطة والفعاليات ذات العناوين اللافتة، ورغم انفتاحه عربيا على تجارب مبدعين كبار، إلا أنه لم يغفلْ المشهد المحلي، وتمكن دائما من التصرف بحرفية، غير راضخ لاعتبارات الهوى المضللة، مفسحا من موقعه كمثقف حقيقي منبر مؤسسة شومان لكل التجارب الأردنية المتميزة.

كان قرارُ التقاعد  المبكر الذي اتخذه عن سابق إصرار وترصد، قرارا لا يخلو من حكمة، لأنه أتاح له التفرّغَ لهاجس ألحّ عليه طويلا، وما كان له أن يتحقق في غمرة الانهماك الوظيفي الذي يستنزف طاقة الروح بالتدريج الممل. فتمكن من التفرغ لإنجاز حلمه، غير الوردي، بل المحمّل شوكا وصبارا، وقام بتوثيق فصول الملحمة الفلسطينية، عبر روايات خمس، كانت سادستها "زمن الخيول البيضاء"، تتويجا لمشروع إبداعي ضخم.

واحتفظت كل رواية منها بأجوائها الخاصة وشخوصها وبنائها الفني واستقلالها عن باقي روايات السلسلة، غير أن ثمة خيطا خفيا لَضَمَ تلك الروايات في نسيج بالغ الدقة، حيث  يرصد إبراهيم خلالها أحداث 125 عاما من تاريخ فلسطين، ساردا ضمن معمار روائي محكم، الحقائق المعززة بالوثيقة، موظفا "الخراريف" والأسطورة، وكافة مفردات البيئة الفلسطينية، مستفيدا من قدراته كشاعر فائق الحساسية، حيث يجعل وقع حوافر فرس بيضاء جامحة تركض عبر الصفحات المائلة إلى الصفرة يدق انطلاقا من قلبك!

واعتمد أسلوبا فنيا بالغ التركيب والبساطة والإقناع، راسما ملامح شخصياته بذكاء مخرج سينمائي متمكن، بحرفية عالية، تجعل فوزه وترشيحه لجوائز كبرى وترجمة العديد من أعماله إلى لغات عدة تحصيلا حاصلا، وثمرة حتمية لجهد إبداعي امتد على مدى عمر.                                    

قيل وسوف يقال الكثير عن زمن الخيول البيضاء، رائعة إبراهيم الأخيرة، ولن يتسع المقام هنا للخوض في جماليات  الرواية، التي اعتبرت "إلياذة فلسطينية" بحق، ووصفت بأنها ذروة إبداعية بالغة الشفافية، وعمل ملحمي يقرأ بالحواس الخمس.

والحق أن أسى ما مشوباً بالغبطة ينتابك حال الانتهاء من الصفحة الأخيرة، الغبطة لها علاقة بفيض الدهشة التي تحدثها تلك الأطروحة الجمالية على حد تعبير الناقدة رفقة دودين، أما الأسى فمبعثه افتراق القارئ عن  شخصيات شديدة الألفة، أجاد نصر لله رسم ملامحها، فأصبح الخلاص منها أمرا ليس باليسير، وتدفع القارئ للتخلي عن حياده، لاهثا خلف أدق التفاصيل في استعادة مؤلمة، ولكنْ ضرورية كي يظل الوعي بعمق المأساة وتوابعها متقدا..، كل ذلك ضمن فضاء روائي يخطف الأنفاس.

 يقول خالد بطل الرواية الفلسطيني: أنا لا أقاتل كي انتصر، بل كي لا يضيع حقي! وهذا الإنجاز الإبداعي المميز هو  شكل آخر، وربما أخير للقتال، كي لا يضيع الحق بالحلم.

 أقول للمبدع إبراهيم نصر لله: شكرا، لمخيلتك الضاجة بالقلق، ولروحك المجرّحة بالفقدان ولخيولك البيضاء، وهي ترمح في البال مستعيدة بهاء تلك الأزمان.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لم تف الرواية حقها!! (صفاء)

    الخميس 9 تموز / يوليو 2009.
    لست أدعي القدرة على النقد الأدبي، الا أنني انتهيت مؤخرا من قراءة الرواية، ولدى قراءتي لمقالة الكاتبة مشكورة، انتابني شعور بأنها ام تف الرواية حقها، على الرغم من اعجابها الواضح بها،ان لهذه الرواية قدرة خيالية في نقلك الى عالم تكاد أن تشعر بواقعيته لما فيه من مشاعر وأحاسيس تخاطب عقل وخيال وانسانية القارئ. كتاب يستحق القراءة، بل وتجب قراءته ليكون مقدمة لقراءة الأجزاء الأخرى
  • »بأي الخيول ارحل اليك الآن؟؟؟ (رنا عمرو)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    ركضا نحو عمر اجتره الترحال هنالك في نفس ذلك المكان كان من الممكن ان نلتقي واجترنا الغياب والأغتراب والتقينا هنا تماما حيث نز القلب بحجم الوجع نفسه وبطعم المرارة ذاتها...التقيتك هناك عبر ثنايا عو وقدكان وقتها في قبضتي قلم...اصبتني بحمى عندما دخلت طوعا الى براريك اقتات طعم العذاب والغياب..كان لنا ان نلتقي هنا هناك في اي مكان مجرد اثنين فقط خارج حدود الزمان والمكان حيث يحلق النص وحده بفضاءاتنا بعيدا حيث الممكن والمتاح ...ولم نلتقي وبقيت وحدي اجمع عبق كلماتك الأخيره المتناثره مع نسيم كل صباح...الشوارع التي غفت على اكتافنا كيف كان لنا ان نتركها وحدها تحلم احلامنا حتى الصباح
  • »لكل مجتهد نصيب (هنادي)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    النقد الأدبي عمل متخصص جدا، ويجب ان يتصف الناقد بالثقافة العالية، والمعرفة العميقة التي تمكنه من تحقيق دراسة موضوعي: فكرية وفنية للنص بغض النظر عن نوعه سواء كان قصة ام رواية، لكن في معظم الحالات وهذه ما نلاحظن، يركن الكثير من الكتاب الى المدح والتعظيم الى ابعد الحدود، ويغفلون المثالي لا اعلم عن جهل وقلة دراية ام هو من باب المجاملة فقط. شكرا بسمة نسور لاجتهادك.
  • »ابداعات تخفق في سماء الوطن (عامر التلاوي)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    احي الكاتبه بسمه النسور على مقالها واشكرها على تقديمها الرائع للفنان والشاعر المبدع ابراهيم نصرالله فعلا يستحق وجميع المبدعين امثاله الاحترام والتقدير لدورهم الثقافي والادبي في الساحة الاردنية والعربية ونأمل المزيد من المقالات التي تعرفنا اكثر عن مبدعينا وفنانينا وشعرائنا الذين يثرون الفن والادب والثقافة الاردنية بنتاجاتهم الرائعة
  • »انسان راقي في الخلق والأدب (mona)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    تحياتي اخت بسمه
    تحيه كبيره للكاتب المبدع ابراهيم نصر الله على انجازاته في مجال الادب الراقي والشعر وفي كل ما كتب .
    انسان يستحق الاحترام والتقدير ويكفي انه وثق حقبة تاريخيه مهمه من تاريخ فلسطين الذي كان مبهما للكثير منا.
    ابدعت في زمن الخيول البيضاء.
  • »نعم (د حيدر البستنجي)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    الهائله بسمه نعم تنتصر المخيله والحلم في عمل ابداعي فريد يستحق القراءه اكثر من مره
  • »هاردلك (فيصل نوباني)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    تقول الكاتبة (يجعل وقع حوافر فرس بيضاء جامحة تركض عبر الصفحات المائلة إلى الصفرة يدق انطلاقا من قلبك!).. وتقول (الرواية، التي اعتبرت "إلياذة فلسطينية" بحق، ووصفت بأنها ذروة إبداعية بالغة الشفافية، وعمل ملحمي يقرأ بالحواس الخمس) .. وتقول ( أقول للمبدع إبراهيم نصر لله: شكرا، لمخيلتك الضاجة بالقلق، ولروحك المجرّحة بالفقدان ولخيولك البيضاء، وهي ترمح في البال مستعيدة بهاء تلك الأزمان).. وهذه امثلة عن المديح الانشائي والاخوانيات .. واتفق مع تعليق موسى ذنيبات وهاردلك للاستاذة المبدعة..
  • »مدهش (خالد الهاجري)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    بصراحه انا كقارئ حسدت ابراهيم نصرالله على هذا الكم الهائل من الاحداث والشخصيات كيف استطاع ان يحول تلك الكائنات الحبريه الى شخوص من لحم ودم احببناها وتمنينا كما قالت الكاتبه ان تظل معنا، بلغه غايه بالادهاش تمكن ابراهيم ان يصطادنا ويوقعنا في شباك الذكريات فعلا فهناك قصه قد سمعتها من والدي ذات شتاء حقيقي طاعن بالقدم قدمها ابراهيم بمنتهى الرقه والابداع
  • »تحية ،، (ابراهيم جابر ابراهيم)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    صباح الخير
    صديقتي بسمة.. مقالتك هذه غاية في الإخلاص للفكرة واللغة ومهنة الكتابة .. فضلاً عن كونها التفاتة مليئة بالود لمعلمي وشاعري واستاذي ابراهيم نصر الله.
    ابراهيم الذي أسس للملحمية في الأدب الفلسطيني، والذي اختار ان تكون الكتابة والرسم والتصوير والشعر والرواية نداءاته المبحوحة للبلاد الفقيدة !
    ابراهيمناالذي نذر عينيه وأصابعه وقلبه ليصوغ نشيداللاجئين والعائدين والحزينين .. بل وحتى طيورهم الصغيرة التي تقرأ أغنياتها على أكتافهم !
    يستحق ابراهيم نصرالله منا الكثير الكثير.. وأن نحمله الى الآخرين بزهو : هذا كاتبنا !!
    ..
    أما أنت فتستحقين وردتين و.. ضمة من الشغف !
  • »ترمح ؟؟ (محب الخالدي)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    ( وهي ترمح .. ) شو يعني ترمح ؟؟
  • »نقد خلاق (د. ناجى الوقاد)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    يرى الشاعر (ادونيس) بان النقد الادبى هو ما يتجاوز ادبيته , انه نقد فنى شامل
    وهاهى الاديبه البارعه المتمكنه بسمه النسور فى نقدها لرواية ابراهيم نصر الله زمن الخيول البيضاء قد وظفت ما امكن من الانماط الثقافيه لتعالج نص ادبى وفنى متكامل ومتماسك من حيث الصياغه واللغه الادبيه وتكون بذلك قد حللت الرؤى والافكار وناقشت المزاوجه بين الواقع والخيال, فقد كان نقدها للرواية نقدا منهجيا وعلى درجة عالية من الثقافة والمعرفه والذوق السليم والاخلاق العالية وقد ابدعت فى نقدها كما ابدع نصرالله فى روايته
  • »انشاء (موسى ذنيبات)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    بصراحة هذا مديح ديوانيات واخوانيات بلغة انشائية تعظيمية وتفخيمية.. وما تعودنا عند الكاتبةهذه الصفات السلبية,, لكلّ نسر كبوة معليش..