هاني البدري

منير!

تم نشره في الاثنين 6 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

أعترف أنني مثل كثيرين بيننا لا أغيّر رأيي أو أبدّل قناعاتي إلا ما ندر، حتى وإن أحسست بصواب عكسها. هكذا نحن عندما نتشبث بآرائنا بحجة أنها قناعات مقدسة، إلا في حالات نادرة.. مثل حالة قصتي مع الفنان محمد منير.

ولمنير وأنا قصة ومشوار عمر استمرا عقوداً، كان فيها هو نجم النجوم وأنا طالب جامعة. وقتها التقت الأفكار وتلاقت الأرواح ولم تفترق.

كان منير وقتها كثير التردد على عمّان، حين كانت "الليلة يا سمرا" تصدح في كل فنادقها ومسارحها، فتفرح السمراوات والشقراوات معاً.. ويردد وراءه الشباب "علي صوتك بالغُنى".

مر العمر وافترقت الخُطى.. لكن منير بقي لي قيمة فنية خاصة جداً.. تربينا عليها وتعلمنا منها كيف يمكنك ان تحب الوطن ببساطة المحب ومن دون مبالغة او تزلف كاذب.. وكيف يمكنك ان تكون بمنتهى العمق وبساطة التعبير معاً، ومتى يكون الفن قادراً على حمل رسالة الاوطان والناس.. معه تلقينا دروساً ابتدائية "في عشق البنات"، ورددنا كلاماً غير مفهوم مثل "سو يا سو" من دون ان نسأل عن تعقيد المعاني.

عشرون عاماً مرت، تغير فيها شكل الأغنية العربية، تغيرت الألوان وتعددت المشارب، صعدت أسماء ووجوه و"أشكال"، وتقهقرت نجوم واصوات.. اختلفت الادوات والتقنيات (فنَبَزَ) مئات النجوم والنجمات، وبُثت مئات الآلاف من ال?يديوهات في الشوارع وغرف النوم و"الحمامات"، تغيّرت المعادلة كلها.. ومنير مازال منيراً.

لطالما حاورته في ليالي صومعته "وسط البلد"، حيث أجهزته وموسيقاه وصور من المشوار.. كنت متخوفاً دوماً من عدم التغيير في مواجهة طوفان الفضائيات وشركات الكاسيت والنجوم الجدد.. وكان منير دائم الإصرار على لونه.. هويته، كدرع وحيد في مواجهة الجنون.. كانت ومازالت له فلسفة "الشبابيك" التي تفتح الحواري والشوارع العربية القريبة من كل بيوتنا ذات الشكل والقالب القديم.. ومع ذلك كنت صديقه دائم الخوف عليه وعلى أفول نوره.

لكنه لم يقنعني أنا بذلك وحدي على مدى سنين طويلة من المثابرة.. بل أجزم أنه استطاع أن يرسخ قناعاته كصوت ولون أصيل لملايين الناس الذين يرون أن منير هو مطرب مصر الآن، تماماً كحليم وعبدالوهاب وأم كلثوم.. أقصد صوت مصر وقضايا مصر والعرب.

ومع نجوم "التنطيط" والجينز "الساحل".. كان على منير أن يصمد كما فعل اليوم ولم يغادر كما فعل آخرون كثيرون ضاعوا "في دايرة الرحلة".

والصحيح ان منير مهما اختلفت في لونه الآراء.. يبقى فنه الذي يحترم عقلية وذوق الناس محط اجماع.. بل إن التزامه الفني والسياسي جعل منه مطرب الإنسان العربي وحامل همه، وصورة التعبير الصادقة لقضايا وطنية مصرية كما هي قومية عربية.

منير الذي أشعرنا لسنوات "ضئيلة" بغياب عن مسرح وزمن "التنطيط" الغنائي كان قد مدّ بلونه الأصيل الذي هو لوننا جميعاً.. وبإغراقه بمصريته وعروبيته.. أجنحة للعالمية.. لا تتكسر بفعل الصفقات المشبوهة والجوائز العالمية مدفوعة الثمن.

عندما أتيحت لي الفرصة لمرافقة منير عدة مرات في الطريق إلى حفله السنوي في دار الاوبرا بالقاهرة، كنت أتساءل وأنا أرى الألوف المؤلفة من الشباب التي تستوقف سيارة منير.. وتغطي بأجسادها كل شبر من ساحات الاوبرا.. ما الذي يُبقي الجماهير على عشق مع مطرب على مدى أربعة عقود؟

أيقنت ان منير يحترم الناس بفنه الذي لا يخدش أنظارنا ولا يشوه مسامعنا، أيقنت انه يغني بصدق لكل البسطاء الذين لم ينجّروا وراء كذبة الأغنية الجديدة التي تُرى ولا تُسمع.. ان أدواته وصوره وحكايته استقاها منّا.. وان أبطال أغنياته هم نحن.. أولاد الحارة المتوسطون في كل شيء.. إلا في الحلم.. حيث يدعونا للتطرف إلى أبعد فضاء فيه.

منير اليوم بموسيقاه النوبية العذبة، وحسه العربي الصافي، يعود إلى عمّان بعد غياب.. ويسألني بصوت قلق عبر الهاتف "هي ايه أخبار الجمهور في الأردن؟".

هو هكذا دوماً بقلقه والتزامه تجاه جمهوره.. يُشغّل كل المجسّات التي جعلته خبيراً في مزاج الجمهور الذي غنى له "مدد يا رسول الله"، و"شجر الليمون"، و"احمر شفايف".. وغيرها، في ثلاثين عاماً زادته شباباً وتمرداً وخروجاً عن المألوف.. وإمعاناً في الصدق.

فيا صديق الأيام.. ورفيق الكلام الجميل.. انتظر وصولك بكامل الفرح ومعي آلاف من محبي فنك الأسمر العبق بحكاياتهم، لا تهمنا الطائرة التي ستقلك إلى مطار عمّان ولا نسأل عن شكل جدول ضيافتك القصير.. لأننا معتادون على أن أي جناح طير.. يحمل صوتك وحضورك لمدرجات البيوت الصغيرة.. ولأننا نفهم كم يسعد ونسعد نحن بضيافة قلبك.. حيت تُقيم لتفاصيلنا الدقيقة.. "مساكن شعبية".

منير.. أهلاً بك في عمّان التي أخذت من حواراتنا على مدى سنين "راقات". 

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »منير العملاق (احمد الهنداوي)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    السيد هاني البدري المحترم،



    تحية طيبة، انا اسمي احمد الهنداوي من صندوق الأمم المتحدة للسكان وسبق ان التقينا في السابق.



    في الحقيقة لفت نظري مقالتك الجميلة حول منير وأنا من عشاق هذا العملاق وكنا نحاول الإتصال به بغرض ترتيب عمل مشترك للنساء في العراق. أتمنى على حضرتك ان تساعدنا في الإتصال بالفنان محمد منير او اذا امكن رقم هاتفك للتنسيق ان امكن اللقاء بمنير اثناء زيارته.



    ولك جزيل الشكر،



    احمد الهنداوي
  • »منير (نجيب كايد)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    شكراً على المقال الجميل
  • »محمد منير (اسراء العجوة)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    جرت العادة منذ سنوات وإلى اللحظة، أن يستعين أغلب المغنيين الجدد بالأغاني التراثية أو أغاني الفنانين الكبار الراحلين "منهم ما زال يعاصرنا حتى اللحظة" أو الجسد واغراءاته، كمحاولة لتسجيل اسمائهم بسجلات عالم الغناء ومن ثم الانطلاق حسب "معايير الجمهور" على حد تعبيرهم. بينما البعض الآخر حاول أن يتميز ويرقى بالأغنية العربي بإسلوبه الخاص دون هذه المحاولات، وإن شابه الآن بعض هذه "المعايير".

    كلمات أغانيه البسيطة "نعناع الجنينة" والغريبة أحياناً " سو يا سو " و " سيا سيا " و " كريشندو " والايقاع المتميز لموسيقاه، إضافة إلى تلقائية أدائه المصحوب بتقعير كتفيه وغرز اصابع يده اليسرى أو اليمنى " بعصبية " على صدره. جعلت محمد منير - ابن النوبة وصاحب الشَـعَرْ الفوضوي- ينفرد ويتميز تماماً عن الآخرين.

    أحببت لهجته واغنياته بألوانها المختلفة إضافة إلى الديتو المميز " ليه يا دنيا الواحد " مع صاحب الاغنية الاجتماعية خالد عجاج.
  • »تعليق (رامي)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    ردا على السيد محمد زكري عندما قال لاتعليق
    لكنه افاض في التعليق بكلامه عن ذوق الكاتب وذكرياته وكانه يوجه اهانه الي السيد منير ويترفع عن التعليق لعدم رضاه عن المطرب؟؟؟؟
  • »ما في حظ (معاذ)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    الاغاني الجديده ناجحه رغم فشلها والي بغننوها مشهورين جدا والهم حظ قوي جدا وراحت عالقدامه
  • »بكل احترام.. لا تعليق (محمد زِكري)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    لا تعليق.. محترماً ذوق الكاتب وحسه الفني الخاص به، ووفائه لصديقه، وحنينه لذكريات "زمنه الجميل"
  • »تحيه (طارق شواوره)

    الاثنين 6 تموز / يوليو 2009.
    اوجه شكري للكاتب لما وصفه للفنان محمد منير
    لن ازيد على ماقاله الكاتب لاني في وصف الاغاني القديمه والحديثه
    لكني اود ان اقول اني من المعجبين القدامى للفنان محمد منير عندما كنت طفلا لااتجاوز الخمسة اعوام وانا اعشق اغنيته الليله ياسمرا وقتها لم اكن اعرف اسمه لكني كنت اتوقف عن اللعب لسماعها ولازلت من جمهوره الاوفياء
    واغانيه الدينيه الجديده محمد يا رسول الله رغم اني كنت اعتقده انه من اصحاب الفكر اليساري
    ووقتها لم اكن اعرف اسمه لكني كنت اعرف من سمرته انه من ابناء مصر كنت اتوقف عن اللعب لسماعها ولازلت من جمهوره الاوفياء
    له منا كل التحيه والاحترام