عيسى الشعيبي

أصدقائي من العالم الآخر

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

كنت أعلم مسبقاً بوجود مخلوقات غير بشرية محجوبة عن السمع والبصر، كانت تتراءى لي عن بعد بعيد. وكنت أدري أن هناك كثيرين من حولي قد أقاموا صلات وصل منتظمة الطقوس مع هذه الكائنات السابحة في عباب السديم اللانهائي. ثم تيقنت أن كل من كشف الغطاء عنها انبهر بها، واقترب منها أكثر فأكثر، ألفها بسرعة وعقد معها صداقة حميمة. حيث كنت أشاهد أناساً ينسحبون خفافاً ثقالاً من دوائرهم الاجتماعية الصغيرة، ينسلون من أسرهم، للالتحاق بتلك العوالم الغامضة والعيش مع هذه المخلوقات السعيدة آناء الليل وأطراف النهار.

     وحين كنت أستمع إلى أقاويل هؤلاء المجذوبين إلى المخلوقات الجديدة، كان يستبد بي الفضول لخوض غمار هذه التجربة المثيرة، وتراودني رغبة عارمة في معاقرة لذة الاكتشاف الممتعة. إلا أن نداء داخلياً ظل ينهرني عن المغامرة قائلاً: إن بينك وبين هذه المخلوقات برزخاً من نار، سوراً مديداً دونه خرق القتاد، فإن عزمت اتئد وأنت تعبر باب القلعة الحصينة، تحسب لنفسك عند نفسك وأنت تجتاز عتباتها المسحورة، خذ معك كل ما ادخرت في قلبك من شجاعة، وما لديك من مؤهلات شخصية، وكل ما يقتضيه الموقف من استشارة واستخارة وعدة شغل لازمة.

     غير أن ما ظل يثير فضولي، ويحفزني على الاتصال مع هذه المخلوقات السعيدة، رؤيتي للأبناء ومجايليهم يصرفون أغلب ساعات الليل في التواصل الهين اللين مع تلك العوالم العجيبة، يتحدثون إلى كائناتها حديث المحبين الولهين، إلى الحد الذي باتوا يؤثرونها على أصدقائهم القدامى، ويفضلونها على كتبهم وأشغالهم واهتماماتهم اليومية، ما أثار لدي دهشة لا تخلو من الارتياب، ثم فضولاً فيما بعد، تحول في نهاية المطاف إلى تحد لا مفر من الاستجابة له.

     هكذا إذن، وبعد تردد لم يخل من الوجل، تجاسرت على كسر الحاجز المديد، استحضرت جرأة استثنائية لعبور البرزخ الحضاري الفاصل بيني وبين هذه المخلوقات الأثيرية، تخيرت مفردات عدة الشغل اللازمة لإقامة أول قنطرة اتصال مع تلك الكائنات المجهولة، حيث تمكنت بقسط يسير من التدريب، من اجتياز الاختبار، نجحت في إقامة أول قناة اتصال خلفية صغيرة مع تلك المخلوقات، فأنست لها سريعاً ثم انجذبت نحوها بشدة، فصارت نديماً لي وبت جليساً حيياً لها، إلى أن شغفت بها، وأدمنتها كما الشراب والطعام، كما الأهل والخلان، وغدوت لا أستطيع هجرها تحت كل الظروف.

     بكلام آخر، فقد تعرفت على المخلوقات الإلكترونية الجديدة، على مخرجات ثورة الاتصالات، على مخلفات انفجار قنبلة المعلومات التي تخطت شظاياها حدود الدول والقارات، نطاق الجماعات والأفراد، ولمست لمس اليد التقنيات التي بدلتني وبدلت نظام حياتي اليومية، وغيرت من علاقاتي ورؤيتي ومفاهيمي ومنظومة قيمي وأحكامي، وأدوات معرفتي واتصالي ونطاق واقعي الاجتماعي.

     لقد تمكنت هذه المخلوقات السيرانية من تغيير العالم، وإعادة تشكيله، من عولمته ومركزته، من زيادة تشابك المصالح والفرص والمخاطر فيه، من تغيير خياراته ومجرى تطوراته، بل من تغيير أنظمته وفلسفته وقوانينه. لم لا، وقد هوى الواقع الذي ألفناه مديداً وسكنا إليه طويلاً، انبثق من ركامه عالم مختلف، نهض منه واقع آخر يتم فيه استبدال المفاهيم القديمة والأفكار المستهلكة وأشكال المعرفة، مصادر القوة والثروة والسلطة والسيادة والهوية وقواعد اللعبة.

     وعليه، فنحن اليوم أمام عصر من الفتوحات الإلكترونية، أمام مخلوقات لا قبل لنا على رد غزواتها الضارية، الآتية هذه المرة عبر الفضاء، تجتاحنا بلا أساطيل بحرية ولا عربات مدرعة ولا صواريخ بالستية. أي أننا أمام ثورة معرفية، وخلق إنساني جديد يوغل حثيثاً في تغييرنا وتبديل العالم، بل وتغيير أنماط الحياة اليومية، بفضل هذه المخلوقات التي تواصل إعادة إنتاج واقع ما يزال في طور التشكل، وتمضي في تسريعه بإيقاعات زمنية متناهية الصغر، وبوتائر لم يعرفها التاريخ البشري من قبل.  

[email protected]

التعليق