عيسى الشعيبي

متعة الانتخابات اللبنانية

تم نشره في الجمعة 12 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

كانت الانتخابات البرلمانية اللبنانية موضع اهتمام كبير، فاضت حيويتها عن حدود جغرافيا البلد الجميل، وبلغ الانشغال بها درجة عالية من الترقب في العديد من العواصم، ولدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، ليس لأنها مصيرية فقط، بحسب فريق من المتنافسين، ولا لأنها ذات تأثير مباشر فحسب، على جبهتي التطرف والاعتدال الممسكين بتلابيب المعادلة الإقليمية الراهنة، وإنما أيضاً لأنها تميزت بقدر رفيع من التنافسية والشفافية اللتين لا نظير لهما في العالم العربي.

وقد ساعد تعدد المحطات الفضائية اللبنانية وتنوعها، ناهيك عن انحيازاتها الواضحة تجاه هذا الفريق أو ذاك من الأحزاب والقوى والشخصيات المتنافسة، على إضفاء طابع خاص وشديد التميز على سير حملة انتخابية طويلة ومضنية، تبارزت خلالها الخطابات والولاءات والرهانات، إلى جانب الملاسنات والاتهامات والاستطلاعات، الأمر الذي أضفى على هذا السابق متعة وتشويقاً أديا في النتيجة إلى حبس أنفاس الكثيرين ليلة فرز صناديق الاقتراع.

ومع أن طبيعة الاهتمام بهذه الانتخابات والانشغال بمجرياتها في العالم العربي كان مختلفاً عما كان عليه الوضع في لبنان، وأن تفاصيل الدوائر والقوائم وفسيفساء التركيبات الطائفية المرجحة في هذا القضاء أو ذاك، لم تستغرق المتابعين العرب بذات الدرجة التي أنهكت اللبنانيين أنفسهم، إلا أن المحصلة النهائية لهذه الانتخابات التي خذلت مراكز استطلاعات الرأي، هي التي كانت تشد أبصار وأذهان المراقبين من حول لبنان، ممن راهن بعضهم على فوز هذا الفريق أو ذاك، لا سيما من جانب المخاطبين بالتداعيات المحتملة لفوز تحالف القوى الملتفة حول حزب الله بأغلبية مقاعد البرلمان.

وقد سبق لكاتب هذه السطور أن حذر من على هذا المنبر، قبل نحو أسبوعين من الموعد المقرر للانتخابات اللبنانية، من المضاعفات السلبية المحتملة لفوز تحالف حزب الله على المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلد تحكمه التوازنات الطائفية الهشة، وتظلله المخاطر والتدخلات الخارجية السافرة، وذلك في إشارة إلى احتمالات تكرار الحالة الغزية في رقعة عربية أخرى، ومن ثم انزلاق لبنان نحو مخاطر العزلة والحصار والتخبط الداخلي على نحو ما يتجلى عليه الحال في قطاع غزة منذ ما يزيد على عامين مريرين، حيث كان الخيار الديمقراطي سبباً كافياً لكل هذه المعاناة التي تعتصر أهل القطاع المحاصر.

وكان لافتاً لي، خلال الأسبوعين الأخيرين من السباق الانتخابي، أن عدداً من قادة تحالف قوى 14 آذار، لا سيما قادة الأحزاب والقوى المسيحية المنخرطة في هذا السابق، قد ذهبوا إلى أبعد مما ذهبت إليه في معرض تحذير قواعدهم الانتخابية من مغبة انطباق الحالة الغزية على مجتمعهم ذي الثقافة الغربية وأنماط الحياة البرجوازية، المتصفة عادة بالحساسية المفرطة إزاء كل ما من شأنه أن يعرض مستويات العيش المستقرة للأخطار المحتملة، أو يبدل من الولاءات السائدة لمنظومة قيمية قائمة على حرية الاختيار والتعبير والتنقل والاستقرار.

وليس في الأمر إدعاء باكتشاف النار أو العجلة، ولا اعتدادا زائدا بلفت أنظار بعض اللبنانيين نحو مساحة إعلامية كانت مهملة في غضون هذه الحملة التي استخدم فيها المتنافسون، على قلوب وعقول ناخبيهم، كل ما كان في حوزتهم من عدة كلامية ضارية، وإنما كل ما في الأمر أن الأيام الأخيرة من فترة السباق المحموم هذه، قد شهدت استحضاراً لم يكن ملموساً من ذي قبل، لسابقة الحصار على قطاع غزة، والتلويح بمخاطر نسخها على هذا النحو أو ذاك، في بلد لا تتماثل مقوماته مع القطاع الفقير المحاصر منذ ستين عاماً، ولا تتشابه خيارات مواطنيه مع ضرورات سكان غزة، إلا إذا أحكم التطرف والمغالاة والتفلت والعدمية السياسية قبضتها الثقيلة على مستقبل بلاد الأرز.

على أي حال، فقد كانت الحملة الانتخابية اللبنانية، بما اشتملت عليه من مناظرات كانت في غالبيتها الغالبة رفيعة المستوى بعيدة عن التجريحات الشخصية ولغة الاتهام التخوينية والتكفيرية، إلا ما عدا بعض الشوائب المتفرقة، حملة تنافسية شيقة ومثيرة لأفضل الانطباعات، سواء لجهة إدارتها الكفؤة، أو لناحية خطابها المهذب على الأغلب، أو حتى لمحصلتها النهائية، التي أعادت تموضع معظم القوى الداخلية على ذات المقاعد السابقة، وهي أمور لا شك أننا سنفتقدها كثيراً ونشتاق إلى رؤيتها بقوة في أي انتخابات برلمانية عربية أخرى.

Issa.alshuibi@alghad.com    

التعليق