هل تجهض البيروقراطية مشروع "اللامركزية" أيضا؟

تم نشره في الاثنين 1 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

واجه مشروع الأقاليم, معارضات متعددة الأهداف والنوايا والأشكال, على أن أشد هذه المعارضات تأثيرا كانت معارضة تيار البيروقراطية السياسية, الذي تخلى عمليا عن المشروع وتواطأت زعامات منه لوأده قبل أن يرى النور.

وليس أدل على ما أقول, من انزعاج جلالة الملك من الذين كانوا متحمسين للمشروع أمامه وخرجوا يعارضونه, ولا أظن أن هذه الإشارة لا تعني فردا بعينه, إنما تنسحب على كل من لاذ بالفرار "الصمت" ولم يشمر عن ساعديه للدفاع عن المشروع وأهدافه النبيلة.

لا أشير هنا لحكومة بعينها, بل إلى شريحة واسعة من الطبقة السياسية الحاكمة في كل مؤسسات الدولة وخارجها.

اختارت زعامات من التيار البيروقراطي النافذ, اشكالا من التحاليل والحيادية, والهمس للتعبير عن موقفها, لأنها لا تريد أن تتصادم مع رغبات الملك, الذي اراد من مشروع الاقاليم تحقيق اللامركزية (تخفيف دور وقبضة المركز) والمشاركة الشعبية في صنع القرار التنموي المحلي (التنمية السياسية والديمقراطية) وتحقيق توازن في التنمية بين المناطق (العدالة الاجتماعية).

ومن الطبيعي أن تتعارض مصالح هذا التيار مع هذه الاهداف, لأن تيار البيروقراطية السياسي يستمد قوته ونفوذه من تحكمه في توزيع عوائد التنمية والدخل (الموازنة), فهو يقاوم اللامركزية ويعارض "تطفل" العوام ومشاركتهم في صنع القرار, ويكره اي نوع من الانتخابات.

جوهر فكرة الملك من مشروع الأقاليم بأبعادها التنموية والديمقراطية باق ولم يتغير، مع التخلي عن فكرة الاقاليم الثلاثة (شخصيا لم أكن أؤيد فكرة الأقاليم الثلاثة، ودعوت في غير مناسبة الى اقاليم حسب الحاجة والضرورة التنموية). ومشروع اللامركزية في المحافظة, يمكن البناء عليه وتطويره وتجميع محافظات اذا اقتضت الضرورة.

التراجع عن فكرة الاقاليم الثلاثة, انعش نوعا خاصا من المعارضة البيروقراطية التي حاولت ان تقدم بديلا عما هو معروض من اللجنة الملكية للاقاليم, وقدمت مشروعها الخاص "للتنمية المنضبطة" المنزوعة الدسم, وأشير هنا إلى الأفكار التي "طبخت" في وزارة الداخلية في عهد الوزير الأسبق سمير الحباشنة وقيل إن الوزير السابق عيد الفايز بنى عليها, لكنه لم يعلن عنها كما فعل الحباشنة.

مشروع الداخلية- الحباشنة, يقوم على اعتماد المحافظة كوحدة ادارية- تنموية, مع اعطاء المحافظ صلاحيات واسعة مع "تشكيل" مجلس للمحافظة ممثلا للقطاعات (الصناع, التجار, العمال, المرأة... الخ), وتشكيل مجلس محافظة بهذه الطريقة لا يتم الا بتعيين، وعلى الديمقراطية السلام.

مجلس محافظة من هذا النوع, لا يختلف أبدا عن المجالس الاستشارية القائمة حاليا، وفيها تمثيل قطاعي واسع جدا، وهي بلا حول ولا قوة، لأنها تتشكل بالتعيين وبطريقة انتقائية جدا.

سنغدو في هذه الحالة أمام حالة بائسة من المركزية الفردية, سنغدو أمام محافظ مدجج بالصلاحيات, بلا رقابة او مشاركة شعبية حقيقية, وستغدو وزارة الداخلية "أم للوزارات".

مناسبة فتح هذا الملف من جديد, هو أن اللجنة الوزارية المكلفة بتطبيق مشروع اللامركزية, تواصل اجتماعاتها ومناقشاتها لشكل ومضمون تطبيق "اللامركزية", ويدي على قلبي ان ينجح تيار البيروقراطية من سحب الدسم الشعبي والديمقراطي من المشروع وتحويله الى مشروع بيروقراطي عتيد.

لكن ما يخفف القلق الى حين, ان وزير الداخلية الحالي, رئيس اللجنة الوزارية, كان داعما لفكرة الاقاليم. وقد شرح صدري عندما قرأت تصريحا له يقول فيه بالحرف "لا يمكن تحقيق فكرة مشروع اللامركزية دون ديمقراطية, تتيح للمواطن اختيار ممثليه في المجلس...". نعم هذا هو جوهر الفكرة وغير ذلك تحايل والتفاف وذر للرماد في العيون.

الملك يدفعنا دفعا إلى الأمام, وبيننا من يشددنا الى الخلف ويقاوم التطوير والتغيير والتجديد بأساليب الحكم.

حكومة الذهبي أمام اختبار جدي.

هل تختار طريق "التنمية المنضبطة" المنزوعة من الدسم الديمقراطي- الشعبي. أم ستختار طريق التنمية المحروسة بالديمقراطية والمشاركة الشعبية.

bassam.hadadeen@alghad.jo

التعليق