"رأسمالية المحسوبية" من العالم الثالث إلى الولايات المتحدة الأميركية!

تم نشره في الأحد 17 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

بيونس آيريس- ظلت أميركا طيلة عشرين عاماً تندد برأسمالية المحسوبية التي تطبقها بلدان العالم الثالث، وخاصة في آسيا. وفي حين بدأت هذه المناطق في بذل الجهود لتحسين الحوكمة على المستوى العام ومستوى الشركات (مؤخراً شهدت هونج كونج صدور قرار محكمة غير عادي ضد أحد أقطاب الاتصالات وابن الرجل الأكثر ثراءً والأعظم قوة في الإقليم)، فإن نجحت رأسمالية المحسوبية في ترسيخ قدميها في الولايات المتحدة، وهي الدولة التي اعتبرها العالم لمدة طويلة معياراً ذهبياً للمساواة في الفرص في عالم المال والأعمال! فلم تكن "اختبارات الإجهاد" التي أكملتها بنوك الولايات المتحدة مؤخراً سوى أحدث مؤشر لنجاح أنصار رأسمالية المحسوبية في أسر واشنطن ذاتها.

ليس من المستغرب أن تهلل أسواق البورصة لنتائج اختبارات الإجهاد التي أجراها وزير خزانة الولايات المتحدة تيموثي جايثنر على بنوك أميركا الكبرى، إذ أن النتيجة العامة كانت قد سُـرِبَت قبل أسابيع. والحقيقة أن أغلب المستثمرين المحترفين انتقدوا هذه الاختبارات بشدة باعتبارها غير نزيهة رغم الفوائد التي عادت على حيازاتهم نتيجة لارتفاع السوق.

وحتى صحيفة ول ستريت جورنال، والتي تلعب عادة دور المشجع الأكبر للأسواق المالية، شككت صراحة في نزاهة الاختبارات. فقد سمحت الحكومة للمصرفيين بالتفاوض على النتائج، كمثل الطالب الذي يخضع لاختبار نهائي ثم يتفاوض مع معلمه على تقديراته.

كان من المفترض في هذه الاختبارات أن تكشف عن الظروف الحقيقية للبنوك المثقلة بأصول سامة غير خاضعة للمراجعة في قروض الإسكان والمشتقات المالية. وبدا الأمر وكأن المنطق الكائن وراء هذه الاختبارات لا يرقى إلى الشك. ولكن هل كان الأمر كذلك حقاً؟

كما يعرف أي مصرفي متمرس، فإن البنك الذي يتمتع بإدارة جيدة لابد وأن يخضع على نحو منتظم لاختبارات إجهاد داخلية من أجل إبقاء إدارته العليا على اطلاع يومي على مجريات الأمور. لماذا إذن كانت حكومة الولايات المتحدة في حاجة إلى إجراء هذه الممارسات التي يستطيع المصرفيون أنفسهم أن يقوموا بها على نحو أفضل وأسرع؟

الحقيقة أن الاختبارات لم تكن مصممة للتوصل إلى إجابات. ذلك أن زعماء قبائل ول ستريت وإدارة أوباما كانوا يعرفون الحقيقة مقدماً. فقد أدركوا أن الكشف علناً عن الظروف الحقيقة في العديد من البنوك الكبرى يعني إعلان إفلاس العديد منها على الفور، الأمر الذي استلزم أن تتولى الحكومة بنفسها إدارة الأمر بهدف منع موجة عارمة من هجوم المودعين على البنوك لاسترداد ودائعهم.

غير أن إدارة أوباما لم تكن تريد أن يوجه إليها الاتهام بتطبيق "الاشتراكية" بسبب تأميمها للبنوك، ولو كان ذلك بشكل مؤقت، ورغم أن خبراء مثل رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر أوصوا بذلك على وجه التحديد. فضلاً عن ذلك فإن تأميم البنوك كان ليتطلب طرد أباطرة وال ستريت ومجالس إداراتهم بتهمة سوء الإدارة الصارخة لشركاتهم.

إلا أن جبابرة وال ستريت أقنعوا أوباما وفريقه بأن استمرار إشرافهم يشكل ضرورة أساسية لإخراج العالم من أزمته. لقد نجحوا في تصوير أنفسهم وكأنهم ضحايا لعاصفة نارية وليس شركاء في جريمة إحراق متعمد.

الحقيقة أن المستشارين الرئيسيين للرئيس أوباما، وهما جايثنر ولاري سمرز، ينتميان إلى ثقافة وال ستريت باعتبارهما ربيبين لوزير الخزانة السابق روبرت روبين، الذي يشغل الآن منصب مدير وكبير مستشاري سيتي جروب. ولم يجد أي من الرجلين صعوبة في تقبل المنطق السخيف الذي تبناه المصرفيون.

كان من المفترض في اختبارات الإجهاد أن تخدم كمؤشر يوحي لعامة الناس بعدم وجود تهديد مباشر بإفلاس البنوك. وكان المرجو من هذه الرسالة أن تعمل على دعم استقرار السوق حتى يتسنى لأسعار الأصول "السامة" أن ترتفع إلى المستوى الذي قد يشعر عنده المصرفيون بالارتياح لبيعها. ومن المعروف أن كبار المصرفيين كانوا يزعمون أن تسعير هذه الأصول لم يكن لائقاً، وأن تسعيرها تبعاً لمستويات السوق يعني معاقبة البنوك بلا ضرورة تدعو إلى ذلك.

حتى الآن، يبدو أن جايثنر نجح في "اختباراته" بعد أن استقرت السوق بالفعل، وبعد أن تضاعفت أسعار أسهم البنوك مثل سيتي جروب وبانك أو أميركا إلى أربعة أمثال المستويات الدنيا التي كانت قد بلغتها. ويبدو أن شبح انهيار وال ستريت بات الآن بعيداً.

ولكن لم يكن أحد ليتصور جدياً أن الولايات المتحدة قد تسمح بإفلاس سيتي جروب وبنك أوف أميركا، على سبيل المثال لا الحصر. والواقع أن سوق البورصة كانت قد بلغت أدنى مستوياتها ثم بدأت تستقر وتتحسن منذ الشتاء الماضي. فقد أدرجت الأسواق ضمن معايير تسعيرها للأسهم لاعتقادها بأن حكومة الولايات المتحدة لن تسمح بانهيار أي بنك آخر.

كان العالم يريد صورة دقيقة لقيمة البنوك من خلال تقييمها طبقاً لقيمتها الحقيقية في السوق من أجل إرشاد المستثمرين فيما يتصل بالقدر الذي يحتاجون إليه من رأس المال الجديد.

كان العالم يريد أيضاً أن يرى الولايات المتحدة وقد عادت إلى تولي الريادة في تعزيز أخلاقيات العمل ونزاهته ـ التي كانت مفتقدة إلى حد كبير أثناء الإدارة السابقة. وبعد أن تحمل دافعو الضرائب مبالغ هائلة الضخامة لإنقاذ البنوك المفلسة، فقد كان من الواجب على حكومة الولايات المتحدة أن تتبنى عملية شفافة في الكشف عن كيفية استخدام هذه الأموال.

يقال إن قسماً كبيراً من الأرصدة المالية التي خصصت لعمليات الإنقاذ العامة جرى تحويلها إلى بنوك أجنبية، وإلى مؤسسة جولدمان ساكس، أو صُـرِفَت في هيئة مكافآت للعاملين لأغراض غير مرتبطة بحماية المصلحة العامة. والحقيقة أن اختبارات جايثنر لم تكشف عن أي شيء من هذا. بل لقد أصبح الموظفون العموميون الآن يبدون وكأنهم متواطئون مع وال ستريت في هندسة هالة مصطنعة من الربحية.

فضلاً عن ذلك فقد ظلت قيمة الأصول السامة غامضة كحالها في أي وقت مضى. أما مبادئ المحاسبة التي كانت مقدسة ذات يوم فقد تم تعديلها بناءً على طلب من وال ستريت من أجل السماح للبنوك بإعداد تقاريرها وفقاً لهواها. والآن أعلنت نتائج اختبارات الإجهاد بعد التفاوض عليها بغرض "إثبات" أن البنوك استعادت عافيتها إلى حد كبير. قد يكون من القسوة أن نعتبر هذه الخطة احتيالاً وتزويراً، ولكن قِلة من المحترفين الماليين انخدعوا بها على أية حال.

وفي الوقت نفسه، لم يعد لدى الحكومة ما تخيف به أباطرة وال ستريت ومجالس إداراته. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد أصبح هؤلاء الأباطرة الآن شركاء للحكومة في مشروع مشترك لإدارة هذه الخطة غير الشريفة.

لقد هاجرت رأسمالية المحسوبية، مثلها في ذلك كمثل أنفلونزا الخنازير، من بلدان العالم الثالث الفاسدة إلى أميركا، التي كانت ذات يوم حصناً للحكم السليم على الصعيدين العام والخاص. فهل من الغريب إذن أن ينظر الناس في الكثير من بلدان العالم النامي إلى الصين باعتبارها أنموذجاً جديراً بالثقة، بينما يُـنظَر إلى الولايات المتحدة الآن باعتبارها رمزاً للنفاق وازدواجية المعايير؟

* المؤسس والرئيس الأسبق لأحد صناديق الرفاه وصندوق آخر للاستثمار في الملكية الخاصة في آسيا، وكان باحثاً زائراً بكل من جامعات كولومبيا وهارفارد وبرينستون وأكسفورد.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق