التسويق السياسي وجرح الثقة العميق

تم نشره في الثلاثاء 12 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

شهدت السنوات القليلة الماضية نموا واسعا لأنماط متعددة من التسويق السياسي لأفكار ومشاريع دولية وإقليمية ومحلية مملوءة بالمفارقات والتناقضات أحيانا، بل ومحاولة شراء وعي الناس بدلاً من لفت انتباههم نحو رؤية سياسية جديدة أو تطوير قدراتهم نحو مشاركة سياسية أو تنموية حقيقية؛ يحدث ذلك ليس في جوهر الأفكار المبتكرة القابلة للخطأ والصواب، بل في مضمون وأساليب التسويق السياسي والإعلامي لها.

ولا ينسحب هذا التعميم على حملات التسويق السياسي  كافة بالرغم من أن اغلبها وقع في شراك تلك الاختلالات؛ حتى أصبح هذا النمط من النشاط السياسي القائم على الترويج وشراء الخدمات الاستشارية وشراء المواقف وتصفية الحساب بين النخب ومراكز القوى على حد سواء أحد مظاهر زيف العمليات الإصلاحية على المستويات السياسية والتنموية، حينما اخذ يعمق الفجوة بين المؤسسات والمجتمعات ويزيد من عمق جرح عدم الثقة المزمن؛ وكأننا أمام وصفة لخسارة الحاضر والمستقبل معا.

يؤدي التسويق السياسي المكثف لأي فكرة مبتكرة عبر وسائل الإعلام وأدوات الاتصال والتعبئة التي تدار من قبل السلطة والمجتمع، أما إلى حالة من رفع مستوى التوقعات والتطلعات إلى عنان السماء أو حالة من الخوف والإحجام، والمشكلة تكمن حينما يتحول المجتمع إلى مختبر لقياس شعبية الأفكار، وفي كل مرة مطلوب منه ان يكفر بما أنتج من قناعات بعد ان تصبح رجسا من عمل الشيطان.

ويتضح ذلك جليا كلما وضعت مضامين حملات التسويق السياسي على المحك، أو إذا ما جد الجد واختبرت الوقائع مدى جدية تلك المضامين. الأمر الذي ولّد قناعة لدى العامة بعبثية هذه الأنشطة وعدمية السياسة من خلفها، هذا من جهة، ووضع اليد من جهة اخرى على أهم مشاكل إدارة البلاد من خلال الإعلام وعبر صراع النخب وأمزجتها، ما يكشف عدم القدرة على تأصيل أي فكرة مبتكرة وعدم ربطها بالعمق المجتمعي وشروطه الثقافية والسياسية قبل طرحها، بينما يبدو الأمر من زاوية أخرى بأن الإصلاح ومشاريع التغير الكبيرة تحتاج إلى  تعريف الأولويات أولا، علاوة على أن الخطورة الحقيقية التي كشفتها حملات التسويق السياسي المرتبطة في اغلب الأوقات بأزمات أو أحداث دولية أو إقليمية تبدو في مصدر بات يلوح في الأفق ملخصه فقدان المجتمعات الثقة بالتغيير وبالمستقبل.

ارتبط نمو التسويق السياسي في الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة بخطاب الإصلاح السياسي بشكل واضح، كما ارتبط بالمبادرات الدولية وما حملته من مضامين دعت إلى تحولات عميقة نحو الليبرالية الاقتصادية وقيمها، إلى جانب ما حرضت عليه في بعض جوانب الإصلاحات السياسية والحقوق المدنية والمبادرات التعليمية والإصلاحات الاجتماعية السياسية، مثل أوضاع المرأة والشباب والمشاركة المجتمعية.

والمفارقة الأخرى أنّ بعض القوى الرافضة لتلك المبادرات ولتيار الاصلاحات الجديد قد استفادت من التقنيات والتجارب التي أتى بها التيار الأول أكثر من غيرها.

في المحصلة، نجد أن خبرة التسويق السياسي المعتمدة على تقنيات الاتصال والإعلام  المعاصرة أصبحت صناعة كبرى في الغرب وبلغ دخلها اكثر من عشرة بلايين دولار في العام الواحد في الولايات المتحدة وحدها، بينما شكلت احد مظاهر فشل الإصلاحات في المنطقة العربية، ولم تخدم التحول الديمقراطي وتنمية المجتمعات المدنية بقدر ما زادت من عبثية السياسة وعدم جدواها في نظر الجمهور، وحولت المجتمعات المدنية إلى مجرد مؤسسات انتهازية من دون رسالة مجتمعية حقيقية وهمها الجري وراء المال السياسي، ولو بتزييف الواقع أو اختراعه أحيانا أخرى.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التنمية الكاذبه (محمد النعيمات)

    الثلاثاء 12 أيار / مايو 2009.
    تكثر في حياتنا الشرق أوسطية تلك الشعارات التي تنادي بالإصلاح على تنوعه؛ سياسي ،اقتصادي،مدني ،تربوي ، أوضاع المرأة ، وهي في الحقيقة شعارات خدَّاعة مزيفة لأنها ليست نابعة من ذاتناوحياتنا وإنماتشبه تلك الدميةالتي ألهانا بها الغرب عن التنمية الحقيقية التي نحتاجها ، وهي تنمية " التناسب " ، أنا في غاية السرور من موضوعية ما قرأت .لأننابحاجة لمثل هذه الكتابات الواعية التي تجاوزت تلك الشعارات أو التسويق السياسى .
  • »شرق وغرب (سعد أبو عناب)

    الثلاثاء 12 أيار / مايو 2009.
    سأترجم بعض ما جاء في مقال كاتبن، في بلدنانجد خير مثال على ما تفضلتم به،فما أكثر المشاريع التي طرحتها القيادة الواعية الذكية،خلال عقد من الزمان،وما أبطأ الاستجابة في تنفيذ أي من هذه الأفكار .نعم هناك أزمة ثقة في النفس وعلي اصحاب العلاقة تلمس أسبابها ومعالجتها .تطرح القيادة الفكرة وتلتقطها الجهات التنفيذية وتسوقها بكل ما أوتيت من قوة ،ثم تكتشف القيادة بعد ردودأفعال المجتمع أن الفكرة ليست الفكرة والمشروع ليس المشروع،وأن القيادة العليا في واد ومن حولها في واد وعندها تتدخل لتقول كلمتهاوتصلح الأمور،فتكون النتيجة ضياع الوقت وبقاء الأمور على حالها (مكانك سر).فإلى متى ستبقى الأمور هكذاو لماذا لا يكون لكل فهمه ورأيه وقناعته ،ولماذا لا يطلب العون والإيضاح من صاحب الفكرة إذا ما استغلق عليه فهم بعض جوانبها؟إنها حالةمن الارتباك وفجوة كبيرة يجب تقليصها ليتحقق الانسجام بين رؤية القيادة العليا للأمور ورؤية المسؤولين التنفيذيين،التي يجب ألا تقل وضوحا عن سابقتها،وإلا فسنظل ندور في حلقة مفرغة نبدد الوقت والجهدمن غير فائدة.