عيسى الشعيبي

أنت في رحاب "الغد"

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

ها أنت اليوم في رحاب "الغد" أي أنك على ضفاف المستقبل، تشارف مشهداً تشوّفته طويلاً واستحسنته كثيراً قبل أن تدلف إليه، وتغدو عروة في سداه

كأنك لم تمهر نصاً من قبل، لم تلقم عجينك بيت النار منذ مقتبل العمر، لم تورد قطيعاً من الإبل مورد الماء ذات مرة ولم تعقلها في أي يوم. فلِمَ تتثاقل، تمشي على هون؟ كأنك تستهول الاختيار، تمعن النظر في مرآة ذاتك، تنقر برأس خنصرك نقرة خفيفة على الباب باستحياء، تستجمع شتات نبضك، تعيد له القوام القويم، وتصعد به دنِفاً، كلِفاً مصطهجاً، إلى سنام هذه المنصة الباذخة.

وكأني بك اليوم شديد التهيّب أكثر مما ينبغي، يشتعل قلبك بالاغتباط أقل مما يجب، تبالغ في طلب الأناقة والاستقامة وحسْن الظن، وتفرط بشدة. كأنك راغب في استعراض كل ما لديك من أجوبة مضمرة، من توضيحات ولزوميات غير لازمة، في جملة واحدة. وكأني بك عازم على أن تسوّي أمرك بيدك، أن تواصل الاشتباك مع علامات التعجب، إشارات الاستفهام، وفيض من التساؤلات المستبطنة، مع أنك نزفت كثيراً من النبض والحبر والعطر في بلاط صاحبة الجلالة.

فلماذا كل هذا الوقوف على أطلالك، كل هذا الرواح والغدو بين دفتي كتاب بوزن ربع قرن من المراوحة. فكل ما في الأمر أنك الآن تحمل قضك على سويقتيك وتطرح عنك قضيضك، تنتقل من رواق بات ضيقاً إلى رواق يبدو لك أرحب، تعبر الشارع ذاته من الرصيف إلى الرصيف المقابل، كي تمد رجليك أطول، وتبقى كما كنت في الأصل، تقارف وجع الكتابة، شقاء الوعي، شفاء الروح، استظهار عوالمك الداخلية بلا تكلف، وفض الالتباسات المبثوثة داخل النص من دون خشية من القمع أو المصادرة.

وها أنت اليوم تضع نقطة في آخر السطر الطويل الطويل وتبدأ من جديد، تخرج يدك من جيبك بيضاء، تملأ كأسك بالشراب الذي يروق لك، وصوتك بالاعتداد الشخصي. فلا تتردد، ولا تطل الوقوف بالباب أكثر، فلم يبق لك من حشاشة الروح سوى ذؤوباتها الضئيلة، من البروق غير التماعاتها الأخيرة ومن الأقداح إلا ثمالاتها المعتقة. فخذ موضعك بأقل قدر من البوح والشرح، بحد أدنى من التقحم والصخب والمجاملات. فأنت اليوم في رحاب أوسع مجالاً، في راحة كف أكثر انفتاحاً، وعلى منبر كلام يتجلىّ تحت بقعة ضوء ساطعة.

أنت اليوم في متنزه طلق يدخله السابلون بتعرفة رمزية، يمرون به مر الكرام لبرهتين أو يقعدون تحت ظلاله الظليلة أطول، ولهم أن يقطفوا ما يحبون من ثماره اليانعة، يتهادون ما يطيب لهم من ضوع أزهاره النادية، يسرّحون فيه أنظارهم ويصيخون فيه الأسماع لكل حفيف تماهى بين المفردات، كل نأمة في المتن وكل هسهسة تتنفس على هامش الهامش، كأن هذا المتنزه محطة وصول غاصة في ساعات الصباح المبكر يتقاطر عليها الناس من كل حدب، أو كأنها باحة إقلاع يتفرق فيها الجمع قبل المغيب كل إلى سبيله، متأبطاً ألمه وأمله وانشطاراته الذاتية.

وعليه، ادفع عنك مشاعر الغربة، أنزل عن كاهليك صخرة المشقة. لك أن تضع في هذا النهار الربيعي لوح زجاج شفيف موضع أضلاع صدرك، وأن تأخذ نفساً أعمق. ودع ناظِريك ومخاطَبيك يطلّون على دروبك الداخلية، يبصرون بعين القلب، يشاهدون متاهة نفسك، يجسون فيك الخلجات والسكنات والنوازع، يدخلون إلى عوالمك القصية بعيون مفتوحة، يقرفصون أمامها على ركبة ونصف الركبة ويمعنون النظر، فيما أنت تروح وتؤوب على رسلك، تهش على قطيع المفردات بعصاك أنت لا بعصا أخيك هارون، تستنطق عيسها المدلجات، صافناتها والحداة: أي الدروب يا قلبي أقرب إلى القلب، أيها أيسر إلى عقدة الوصل، ثم ايها أبعد مدى من وضع الندى في موضع السيف؟.

وهكذا، أنت اليوم في استدراكاتك المسبقة، في استهلالاتك المطولة، في إصغائك المديد إلى ما يتغرغر في بروج روحك لا تعيد إنتاج نفسك داخل الثلم، لا تسوق قطيعاً من الزرافات المشرأبات، أو شياهاً سوداً سارحات من غير كبش عظيم. ولا تثريب عليك، أنت اليوم تتلو نفسك بنفسك، تبوح على الملأ، تقصّ على الناس تباريح قلبك. فأقسِطْ وأوسِط واعتدل، ولا تسدد الآن الحساب المؤجل. وإياك أن تكسر صحناً أكلت فيه، أن ترمي حجراً في بئر غرفت من مائه دلاءً بلا حصر، ودع عنك الملامة والعتاب والتسويغات الممنوعة من الصرف.

ها أنت اليوم في رحاب "الغد" أي أنك على ضفاف المستقبل، تشارف مشهداً تشوّفته طويلاً واستحسنته كثيراً قبل أن تدلف إليه، وتغدو عروة في سداه، خيطاً في نسيجه، بعضاً من تلاوينه، نغمة في معزوفة كوراله اليومية، تلجه وأنت موطد قلبك على الجلوس في رواق الصحافة غير المتتائبة ما أمكنك ذلك، على الاسترخاء تحت فيء قبابه الوارفة، حيث من المقدر ألا تهب عليك هنا ريح كبت وزمهرير منع، وألا تسطع في فضائها شمس تطرف لافحة. 

[email protected]

* ترحب "الغد" بانضمام الزميل الكاتب والصحافي عيسى الشعيبي إلى قافلة كتاب الصحيفة، آملين أن يثري التنوع بكتابته التي شرع ينسج  خيوطها منذ بدئه حياته الصحافية أواسط عقد السبعينات متعاوناً مع جريدة "النهار" ثم عمله في جريدة السفير اللبنانيتين. وفي مطلع الثمانينات انتقل إلى صحيفة "البيان" ثم إلى صحيفة الخليج الإماراتيتين، لتحط به الرحلة الصحافية بعد ذلك في الزميلة صحيفة "الدستور"، حيث كتب افتتاحيتها لمدة عشرين سنة، إلى جانب مقال أسبوعي في الصحيفة ذاتها. وسيطل "الشعيبي" على قرائه كل ثلاثاء من خلال صفحة "أفكار ومواقف" وكل جمعة عبر الصفحة الأخيرة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مرحبا بك يا عيسى كاتبا وشاعرا وإنسانا (خالد أبو علي)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    أنت اليوم في متنزه طلق يدخله السابلون بتعرفة رمزية، يمرون به مر الكرام لبرهتين أو يقعدون تحت ظلاله الظليلة أطول، ولهم أن يقطفوا ما يحبون من ثماره اليانعة، يتهادون ما يطيب لهم من ضوع أزهاره النادية، يسرّحون فيه أنظارهم ويصيخون فيه الأسماع لكل حفيف تماهى بين المفردات، كل نأمة في المتن وكل هسهسة تتنفس على هامش الهامش، كأن هذا المنتزه محطة وصول غاصة في ساعات الصباح المبكر يتقاطر عليها الناس من كل حدب، أو كأنها باحة إقلاع يتفرق فيها الجمع قبل المغيب كل إلى سبيله، متأبطاً ألمه وأمله وانشطاراته الذاتية.
    هل هناك أرقّ من ذلك.
    مرحبا بك يا عيسى كاتبا وشاعرا وإنسانا
  • »رجو له دوام التحليق (نادية ياسين)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    كاتب بدأ حياته الصحافية أواسط عقد السبعينات متعاوناً مع جريدة "النهار" ثم عمل في جريدة السفير اللبنانيتين. وفي مطلع الثمانينات انتقل إلى صحيفة "البيان" ثم إلى صحيفة الخليج الإماراتيتين، لتحط به الرحلة الصحافية بعد ذلك في الزميلة صحيفة "الدستور"، حيث كتب افتتاحيتها لمدة عشرين سنة، إلى جانب مقال أسبوعي في الصحيفة ذاتها. إنه قيمة إضافية للغد وأرجو له دوام التحليق
  • »الغد تتقدم (عصام الأسمر)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    اعتقد أن صاحب قرار انضمام الكاتب الكبير عيسى الشعيبي ذو نظر بعيد. إنه خيار ذكي جدا جدا، فالشعيبي ممن ابرز الكتاب العرب، ومن المحللين النادرين المتخصصين في الشأن الفلسطيني. ألف مبروك
  • »كاتب خلافي (هالة السيد)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    رغم انني اختلف كثيرا مع الكاتب عيسى الشعيبي في بعض تحليلاته المتعلقة بحماس، إلا اني اقدر قدرته على التحليل العميق واسلوبه الشاعري. مبروك للغد
  • »اهلا بالشعيبي (شيرين الضمور)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    أجمل خبر قرأته منذ فترة. إن الكاتب القدير عيسى الشعيبي كفاءة مهمة وانضمامه للغد يجعلها في القمة. ننتظر تحليلاته السياسية التي كانت مهلمتي أثناء إعداد اطروحة الماجستير في حقل العلوم السياسية
  • »قلم محترم ونظيف (خالد المالكي)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    أهنيء نفسي وأهنيء الغد بانضمام الكاتب عيسى الشعيبي إلى كتابها. إنه قلم محترم ونظيف وأتمنى أن يثري مسيرة الصحيفة التي تضم خيرة الكتاب في البلد
  • »مكسب (معن البياري)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    أهنئ الغد وقراءها بالصديق الكاتب الكبير عيسى الشعيبي صاحب الرأي العميق والأسلوب الرشيق . إضافة نوعية جديدة تكسبها الغد بانضمام الشعيبي إلى كتابها ، وهم أهل مقام رفيع وأصحاب حضور جميل .
    أنتقل إلى عيسى الشعيبي في الغد بعد خبرة مديدة في قراءته في الدستور وغير منبر وصحيفة . تحياتي له وأشواقي
    معن البياري
  • »اهلا بكم سيدي (رعد التل)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009.
    اهلا بك استاذناونسعد دائما بقراءة ما يخطه قلمكم السيال