جميل النمري

ذكريات من "هبّة نيسان"

تم نشره في الاثنين 20 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

أول من أمس مرّت الذكرى العشرون لـ"هبّة نيسان" من دون الاهتمام الذي تستحقه. نتذكر تلك الأيام وانفعالاتها، كما لو كانت أمس، فهي أيام مجيدة فعلا وأسست للمسار القائم حتّى الآن.

بالنسبة لنا نحن النشطاء السياسيين والحزبيين المنخرطين في نوع من النضال (العمل السرّي) المضني والرتيب، فإن تحرك "الجماهير" بهذه الجرأة كان شيئا لا يصدق، فقد تعودنا أن نقرأ عنه تنظيرا في الكتب فقط، افقنا بسرعة من الصدمة مع تمدد "الاحتجاجات" وقررنا ان نترك وراءنا الحذر والأساليب القديمة وأن نباشر الاتصال مع فاعليات عشائرية ونقابية وبلدية لإعطاء "الهبّة" عمقها السياسي وشعاراتها، وخلال يومين كانت البلد كلها قد توحدت حول شعارات واضحة ومحددة: إنهاء الأحكام العرفية وتصفية آثارها، عودة الحياة البرلمانية، إطلاق الحريات العامّة، المحاسبة على الفساد وإرساء دولة القانون والمؤسسات.

بعد ثلاثة ايام على انطلاق الاحتجاجات، كان الأمر قد افلت من السيطرة سياسيا، فالتجرؤ على اشهار المطالب السياسية بصورة جماعية من خلال هيئات شرعية وعرائض عشائرية وبيانات نقابية بات أمرا واقعا ولا يمكن تجاهله. 

وليلة الجمعة كنّا في مجمع النقابات المهنية نعمل على صياغة البيان الأهم الذي سيصدر باسم عشر نقابات مهنية مذيلا بأسماء نقبائها وسيوزع على كل الصحف ووسائل الاعلام المحلية والعربية والدولية، كنت ورفيق حزبي جورج حدادين (نقيب الجيولوجيين في حينه) نضغط من اجل لغة أقوى ومطالب ديمقراطية أكثر دقّة.

في الحقيقة ان اليسار كان الأكثر وعيا بطبيعة الحدث، والأكثر قدرة على صياغة شعاراته، والأكثر ثقة بأننا نلج مرحلة جديدة تودع الزمن العرفي نهائيا.

وبادر اليسار بالتحول الى العمل العلني لتكريس شرعية وعلانية العمل السياسي، فيما ظلّ آخرون لفترة طويلة غير مصدقين ويتحدثون عن تمثيلية أو "جمعة مشمشية" لكشف كوادر الاحزاب والقبض عليهم، وكانت هذه نظرية ساذجة ومضحكة، فقد ثبت اننا أمام تحول تاريخي ونهائي، ولحسن الحظ أنه كان هناك زعيم مثل الراحل الكبير الحسين التقط جيدا مغزى ما يحدث وعرف أن التغيير بات حتميا.

كنّا في الواحدة ليلا مع عدد من نقباء تلك الفترة، مثل ليث شبيلات وتيسير الحمصي ووليد عبدالهادي، على وشك الانتهاء من صياغة بيان النقابات وقد اخذ منا التعب بعد ساعات من الاجتماع مأخذه حين تلقى جورج اتصالا من زوجته تصرخ ان الباب يقرع بعنف ثم انه انفتح ثم انقطع الاتصال. كانت المداهمات جارية على قدم وساق، وسأعرف في اليوم التالي ان بيتي ايضا كان قد اقتُحم.

كنّا نلوذ بمجمع النقابات كمكان آمن ندير منه التحركات. وأتعجب الآن كيف كانت تلك الحرمة للمجمع تحترم بصورة مطلقة. كنّا ندخل ونخرج خلسة وحدث أن اعتُقل البعض في اثناء ذلك، لكن الأمر لن يطول فالتحول قادم لا محالة.

وبالفعل بعد بضعة ايام جاءت حكومة جديدة بوعد التغيير وإجراء انتخابات نيابية، وبدأ نضال علني لتصفية آثار المرحلة العرفية، مثل قضايا الممنوعين من السفر والمفصولين من العمل، فيما كان التحضير جاريا على قدم وساق من أجل أقوى حملة انتخابات برلمانية حرّة منذ عقود.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متى نتكلم عن هبة نيسان (هناء)

    الاثنين 20 نيسان / أبريل 2009.
    استغربت كثيرا عند مطالعتي لهذا المقال وان الهبة نتكلم عنها بهذه الصراحة ومين ساعد على نجاح مساعيها و(نتهاوش) انا احدى خريجات جامعة مؤتة وبعد التخرج تقدمت للعمل في القوات المسلحة وكان الرد بالرفض لاني مشاركة بهبة نيسان مع اني في عام 88 كنت مازلت في الثانوية واسكن في مدينة الزرقاء ومابعرف عن الهبة سوى ما تكلم عنه في التلفزيون والصحف وانا استغربت كيف نتكلم عن هذه المرحلة بصراحة وانا خايفة من عام 1997 الى اليوم ان اتلفظ بهبة نيسان
  • »تعليق (م محمد العودات)

    الاثنين 20 نيسان / أبريل 2009.
    الاستاذ جميل النمري المحترم
    كانك بدك تقول انه اليسار هو الي صنع ومهد للحياة الديمقراطية المخطوفة الان
    وان الاسلاميين على راي الفلاحين غايبين فيلة
    بحب اقلك انك غلطان كثير ودليل ما اقول هو انقراض الفكر اليساري دلالة على انه لم يكن مؤثر ولا بيوم من الايام
    مع احترامي لاشخاص اليساريين بس والله التاريخ لا يزور