الوقت حان لموازنة جديدة تتكيف مع الأزمة

تم نشره في الخميس 2 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

 

الحديث القائم الآن عن مراجعة حقيقية لأولويات الانفاق يجب ان يأخذ مداه الحقيقي الى حدود اكبر مما يجري تداوله من تحويل بند من البنود الموازنة أو إلغاء فقرة هنا أو هناك في عمليات تجميل الى موازنة جديدة فعليا تتكيف مع كل المتغيرات التي حصلت منذ ان صممت موازنة 2009 في ظروف مغايرة لما يحصل الآن.

فالأزمة المالية قلبت كل الافتراضات التي بنيت عليها الميزانية التوسعية التضخمية ذات الستة بلايين دينار وأكثر التي استندت عندما خططت العام الماضي لتوسعات كبيرة في الانفاق الاجتماعي في ظروف اخرى عن التي نعيشها اليوم، ولم يعد خافيا على أحد صعوبة السير في نفس التوجهات في ظل الاوضاع الحالية.

فالعالم الذي نرتبط به كثيرا انقلب رأسا على عقب منذ فورة الاسعار والتضخم غير المسبوق الذي رافق ارتفاعات النفط والسلع الأساسية العام الماضي نحو ازمة مالية متعمقة أودت بالمدخرات والاصول وتسببت في أزمة سيولة وتراجع حاد في النمو.

ولم يعد خافيا ايضا مع بدء ظهور المؤشرات السلبية لتداعيات الازمة المالية أننا مقبلون على وضع أصعب يحتاج اكثر ما يحتاج الى الادارة الكفؤة لإخراجنا منها بأقل الخسائر لأن الكثير منها سيبقى خارج الارادة ونتيجة سياسات تراكمية تركت اثرها السلبي الواضح.

وتراجع النمو في الربع الأخير يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأننا بدأنا مرحلة الانكماش وفق آخر المؤشرات التي سبقتها تحصيلات الايرادات المحلية وتراجع التسهيلات من مسلسل سيكون طويلا للارقام التي  ستحول من موجبة الى سالبة.

 

وبتنا على كل الاصعدة نرى انكماشا في الاعمال والمشاريع التي كانت مخططة ومنوي عملها، ما يستوجب على الحكومة ان تعيد النظر في أولوياتها التنموية والاستثمارية لأن الوقت لم يعد لصالحها.

الاستمرار في السير في هذا الحجم من الانفاق الحكومي الذي بات يشكل أكثر من اربعين في المائة من الناتج المحلي الاجمالي لا بد ان يهدد الاستقرار المالي.

ولم يعد من المنطقي ان نستمر في ميزانية بنيت فلسفتها على استمرار التدفقات الاستثمارية الخارجية والمعونات الخارجية لسد عجز الموازنة وهو ما تجاوزته الايام.

والمؤسف انه كان يتوجب على اصحاب القرار الاقتصادي منذ نهاية العام ان يتداركوا التبعات السلبية لأزمة مالية عصفت بأسعار النفط التي تحول بعضها اليسير الى استثمارات وتحويلات وتشكل صمام امان لاقتصادنا وسيؤثر كثيرا تهاويها علينا بحكم عمق اعتماد اقتصاياتنا على دول الخليج.

من الخطأ الكبير المضي في خطط طموحة لزيادة غير منطقية في الانفاق الجاري مجاراة للشعبية لا المصلحة الوطنية، ولا يتفق مع ما يمكن واقعيا ان نحققه من ايرادات ومنح في ظل مؤشرات باتت ملموسة لصورة قاتمة قادمة.

ولا نعرف من أين سيتم تمويل العجز المتنامي في الموازنة اذا بقيت المؤشرات السالبة تتزايد مع استمرار الصرف الحكومي في القطاعات الاقل انتاجية على ما هو عليه، دون احساس حجم التركة الثقيلة التي ستخلفها الازمة المالية.

إن سياسات النعامة ووضع الرؤوس في الرمال على أمل ان نستيقظ في يوم ربيعي مشرق لنرى اننا تجاوزنا الازمة هي اقصر الطرق لمزيد من التدهور في احوال المالية العامة.

هل نرى ادراة اقتصادية شجاعة تعترف بأننا بحاجة الى اعادة للحسابات التى بنيت عليها موازنة غير واقعية لا تنسجم مع القادم؟.

في كل الاحوال الموازنة تبقى مؤشرا لحجم الانفاق الحكومي المتوقع وهو قابل لإعادة التقدير اكثر من مرة.

وإذا كان من البداية واضحا ان الكثير من التقديرات التي وضعت لن تتحق، فالعجالة في اتخاذ القرارات الجريئة افضل السبل لتخفيف وطأة ما يرشح ان يكون مسلسلا مستمرا للمؤشرات والارقام السالبة.

التعليق