رد الاعتبار للتنمية الوطنية والقطاع العام لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية

تم نشره في الخميس 26 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 

 سوف تظل الأزمة الاقتصادية العالمية معنا على مدى جيل كامل، وليس لعام أو عامين فحسب، وذلك لأنها تشكل في الواقع تحولاً نحو الاستدامة. ولقد أسهمت عوامل مثل ندرة السلع الأولية والأضرار الناجمة عن تغير المناخ أثناء السنوات الأخيرة في زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي الذي نشأت عنه الأزمة الحالية. كما لعبت أسعار الغذاء والوقود التي ارتفعت إلى عنان السماء والكوارث الطبيعية الكبرى دوراً مهماً في إضعاف الأسواق المالية، والقوة الشرائية للأسر العادية، بل وحتى الاستقرار السياسي.

وإذا ما نظرنا إلى الأزمة من هذه الزاوية فلسوف يتبين لنا أن السياسة الأساسية التي يتعين على البلدان المتقدمة والنامية أن تتبناها في إطار مساعيها الرامية إلى التغلب على الأزمة تتلخص في إنشاء بنية أساسية لائقة بالقرن الحادي والعشرين. وهذا يشتمل على شبكة كهرباء تعمل بكفاءة وتتغذى على مصادر الطاقة المتجددة؛ وشبكات ألياف بصرية ولاسلكية تحمل خطوط الهاتف والإنترنت فائق السرعة؛ وأنظمة المياه والري والصرف الصحي التي تستخدم المياه العذبة وتعيد تدويرها؛ وأنظمة النقل والمواصلات العامة في المناطق الحضرية وبين المدن؛ وطرق سريعة أكثر أماناً؛ وشبكات من المناطق الطبيعية المحمية التي تساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي والبيئات الطبيعية للأنواع المهددة بالانقراض.

إن هذه الاستثمارات مطلوبة في المدى القصير للتعويض عن الانحدار في الإنفاق الاستهلاكي على مستوى العالم والذي أدى إلى الركود العالمي. والأهم من ذلك أن هذه الاستثمارات مطلوبة في الأجل البعيد، لأن العالم المكتظ بما يقرب من 6,8 بليون نسمة (والعدد في ارتفاع) لا يستطيع ببساطة أن يدعم النمو الاقتصادي ما لم يحرص على تبني تقنيات مستدامة تتسم بالاقتصاد في استهلاك الموارد الطبيعية النادرة.

إن الأزمة العالمية تعني من حيث الممارسة الفعلية تضاؤل الاستثمارات المستدامة بدلاً من توسعها في بلدان العالم النامي. فمع فقدان القدرة على الحصول على القروض المصرفية الدولية، وتعويم السندات، وتضاؤل الاستثمار المباشر الأجنبي، فقد أصبحت مشاريع البنية الأساسية التي تحدثت عنها الحكومات في الماضي حبراً على ورق أو أرجئت إلى أجل غير مسمى، الأمر الذي يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي في العشرات من البلدان النامية.

الحقيقة أن كل جزء من أجزاء العالم أصبحت لديه الآن كميات هائلة متراكمة من مشاريع البنية الأساسية الحيوية المتأخرة أو غير المنجزة. والآن حان الوقت لبذل جهود عالمية منسقة لإعادة هذه المشاريع إلى مسارها والعمل على تنفيذها. وهذه ليست بالمهمة اليسيرة. ذلك أن أغلب الاستثمارات في مشاريع البينة الأساسية تتطلب الزعامة من جانب القطاع العام لصياغة الشراكات مع القطاع الخاص. ويتعين على القطاع العام أن يدخل في اتفاقيات تعاقدية مع الشركات الخاصة، ليس فقط لتنفيذ مشاريع البنية الأساسية، بل وأيضاً لتشغيلها وإدارتها باعتبارها احتكاراً منظماً أو على أساس التنازل أو حق الامتياز.

والحكومات عموماً تفتقر إلى القدرة الفنية اللازمة لتصميم مثل هذه المشاريع، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات المحسوبية والفساد فيما يتصل بمنح العقود الرئيسية. والحقيقة أن مثل هذه الاتهامات من المرجح أن توجه إلى الحكومات حتى لو لم تكن حقيقية، ولو أنها تكون في محلها في أغلب الأحوال.

ولكن هذا التراكم من المشاريع غير المنجزة أصبح الآن يعيث فساداً في اقتصاد العالم. وتحولت مدن العالم الكبرى إلى اختناقات مرورية مستعصية وبؤر للتلوث. وأصبح الغلاف الجوي للكرة الأرضية مختنقاً بالغازات المسببة لظاهرة الانحباس الحراري بسبب الإفراط في استخدام الوقود الأحفوري. وباتت ندرة المياه مشكلة تعاني منها كل المراكز الاقتصادية الكبرى تقريباً، من أميركا الشمالية إلى أوروبا وأفريقيا والهند والصين.

وعلى هذا فقد بات لزاماً على الحكومات أن تعمل على تعزيز قوة الوزارات المعنية بالبنية الأساسية (بما في ذلك مشاريع الطاقة، والطرق، ومرافق المياه والصرف الصحي، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات)، فضلاً عن دعم بنوك التنمية الوطنية حتى تتمكن من تصميم مشاريع وبرامج البنية الأساسية طويلة الأجل على النحو اللائق. والحقيقة أن القدرة على مواجهة الأزمة بطريقة بناءة من خلال التوسع في الشراكات بين القطاعين العام والخاص سوف تحدد حجم النجاح الذي قد تتمكن أي دولة أو منطقة من إحرازه. ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة تعمل الآن على إنشاء بنك وطني مختص بمشاريع البنية الأساسية للمرة الأولى على الإطلاق.

بيد أن المستشارين الاقتصاديين في أميركا وأوروبا عموماً يعتقدون أن توفير حوافز ضخمة قصيرة الأمد سوف يكون كافياً لاستعادة النمو الاقتصادي. ومن الواضح أنه اعتقاد خاطئ. ذلك أن الأمر يتطلب إصلاحاً شاملاً للاقتصاد العالمي في اتجاه الاستدامة.

فضلاً عن ذلك فإن صناع القرار السياسي في بلدان العالم الغني يتصورون أنهم قادرون على الاستمرار في إهمال العالم النامي، أو تركه لمصيره في الأسواق العالمية. وهذا أيضاً يشكل وصفة أكيدة للفشل العالمي، بل وحتى الصراعات في المستقبل.

سوف يكون لزاماً على البلدان المتقدمة أن تبذل قدراً أعظم كثيراً من الجهد في إعانة البلدان الفقيرة أثناء انتقالها إلى الاستدامة. وفي حين أن أغلب تشريعات "التحفيز" كانت حتى الآن قصيرة الأمد أو موجهة نحو الداخل فقط، فإن زيادة التمويل لصالح مشاريع البنية الأساسية المستدامة في البلدان الفقيرة من شأنها أن توفر دفعة قوية لاقتصاد بلدان العالم الغني.

كما يتعين على البلدان المتقدمة أن توافق على توجيه كم كبير من المدخرات نحو البلدان النامية بغرض تمويل الزيادة في حجم الاستثمارات المستدامة. ومن الممكن أن يتم هذا بصورة مباشرة على أساس ثنائي، على سبيل المثال من خلال توفير القروض طويلة الأجل عبر وكالات ائتمان التصدير في البلدان المتقدمة. ومن الممكن تحقيق هذه الغاية أيضاً بصورة متعددة الأطراف، من خلال زيادة حجم تدفقات الاستثمار في البنية الأساسية من جانب البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية (بما في ذلك بنك التنمية بين الأمريكتين، وبنك الاستثمار الأوروبي، وبنك التنمية الأفريقية، وبنك التنمية الآسيوي). ونستطيع أن نستخدم كلاً من القناتين في الوقت نفسه.

لقد أخفقت البلدان المتقدمة في إدراك حقيقة مؤكدة مفادها أن الاتفاق العالمي بشأن تغير المناخ والمزمع إبرامه في وقت لاحق من هذا العام (أو في أي وقت قريب) سوف يكون مستحيلاً ما لم تحرص على زيادة حجم التمويل لمشاريع البنية الأساسية المستدامة في بلدان العالم النامي بصورة ملموسة، وخاصة مشاريع توليد ونقل الطاقة المستدامة.

والعجيب أن العالم الغني يتوقع على نحو ما أن تعمل البلدان الفقيرة على الحد من استخدامها للوقود الأحفوري من دون أي مساعدة ملموسة في تمويل مصادر جديدة ومستدامة للطاقة. وتكاد تكون كل مقترحات البلدان الغنية، بشأن الأهداف والحدود والالتزامات والرخص المرتبطة بالغازات المسببة لظاهرة الانحباس الحراري، خالية من أي حديث عن إعانة البلدان الفقيرة على تمويل التحول نحو التكنولوجيا المستدامة.

إن قمة مجموعة العشرين المقرر انعقادها في لندن في الثاني من نيسان (إبريل) تمنحنا قدراً من الأمل في بذل جهد عالمي حقيقي من أجل إصلاح الاقتصاد العالمي الفاشل. وهذا هو الوقت المناسب والمكان اللائق لإطلاق حملة عالمية نحو الاستدامة. وإذا ما فشلنا في مواجهة هذا التحدي فإن الأزمة العالمية سوف تستمر في تهديد العالم لأعوام طويلة مقبلة.

* ساكس أستاذ علوم الاقتصاد ومدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2009.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تطورات الموقف الحكومي تجاه تداعيات الازمة (زياد الباشا)

    الخميس 26 آذار / مارس 2009.
    هناك تطور في موقف الحكومة بأنها أقرت أخيرا بأن الأزمة العالمية لها تأثير محدود وهي تراقب الوضع وتستعين بشركة استشارات. وهذا جيد لو أن الرئيس عندما تحدث عن المديونية السيادية لم يكتف فقط بالحديث عن الدين العام الخارجي والذي تناقص من 5.349 مليار دينار في نهاية 2004 الى 3.582 مليار دينار في نهاية تشرين ثان .2008 أي تناقص الدين الخارجي بفضل الله ما يزيد قليلا على 1.767 مليار دينار وهذا إنجاز مهم ولكن ليس كافيا وذلك لأن الدين العام الداخلي ارتفع لنفس الفترة من 2.082 مليار الى 5.608 مليار دينار وزاد في 11 شهرا من عام 2008 بما قيمته 1.913 مليار دينار. هذا المؤشر مهم وذلك كون الأردن تقريبا يستورد ضعف ما يصدر وهناك عجز مزمن في الميزان التجاري بقيمة 4 مليارات دينار تقريبا. أي ما تم تسديدة من المديونية الخارجية في خمس سنوات تم إعادة أستدانه محليا أو أكثر في عام 2008 لوحده ناهيك عن الزيادة المضطردة في الدين العام الداخلي.



    القصة لا تنتهي هنا وذلك لان الائتمان المحلي نما بمعدل 25 بالمئة سنويا منذ عام 2004 حيث بلغ في نهاية 2004 ما قيمته 7.805 مليار دينار ولقد ارتفعت هذه القيمة لأكثر من الضعف في نهاية 2008 حيث بلغت ما يزيد على 17.742 مليار دينار. نسبة النمو السنوي غير مبررة وهي على الأقل 3.5 أضعاف نمو الاقتصاد الوطني أو ما يعرف بالناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الثابتة الذي نما بمقدار 38 بالمئة في خمس سنوات وبمعدل سنوي بلغ 7.50 بالمئة. ويضاف إلى ذلك أن عام 2008 شهد نموا استثنائيا في بند التسهيلات الائتمانية المقدمة من البنوك المرخصة وبما قيمته 3.761 مليار دينار أو ما نسبته 27 بالمئة. وهذا يدلل على "سبب" سخونة الاقتصاد في السنوات الخمس الماضية. وهنا يكمن السبب وراء ظاهرة ارتفاع أرباح البنوك. وهذا مكمن خلل حقيقي ويعيدنا في الذاكرة لعام 1989 ولكن كان هذا وضع مديونية الحكومة لوحدها أما الآن فالقطاع الخاص مشترك معها.



    ولتفحص هذه الأرقام بدقة; نجد ان الائتمان الممنوح للقطاع الخاص قد نما بنفس الفترة من 6.324 مليار دينار في نهاية 2004 الى 13.282 مليار دينار في نهاية .2008 أو ما قيمته 6.958 مليار دينار أو ما نسبته 110 بالمئة في خمس سنوات أو 22 بالمئة سنويا.



    أما صافي الديون المقدمة من البنوك المرخصة الى القطاع العام لنفس الفترة فقد ارتفع من 1.825 مليار إلى 4.772 مليار دينار اي بزيادة 2.947 مليار دينار أو ما نسبته 161 بالمئة خلال خمس سنوات او 32 بالمئة سنويا. وهذا يدلل على مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الحصول على تسهيلات إتمانية!



    أما الودائع بالدينار فقد نمت من 7.018 مليار دينار في نهاية 2004 إلى 13.544 في نهاية .2008 وعليه فأن التسهيلات المقدمة من البنوك بالدينار والبالغة 16.181 مليار دينار تفوق الودائع بالدينار بما قيمته 2.637 مليار دينار أو ما نسبته 120 بالمائة وهنا يكمن لماذا لم يتوجه الأردن الى الفائدة الصفرية. لانه يجب الاستفادة من فارق الفوائد والمحافظة على نسبة الدولرة حيث بلغت الودائع بالعملات الأجنبية ما قيمته 4.685 مليار دينار في عام 2004 إلى 4.754 مليار دينار في نهاية 2008 أي لا تغير يذكر. وهذا يدلل على وجود مخاوف حقيقة لدى البنك المركزي الأردني على أن الدينار الأردني تحت الضغط لا سمح الله!



    ويؤمل أن تحفز هذه الايجابيات وجود فوائض قابلة للتوظيف لدى الجهاز المصرفي. لكن هذه هي نفس غلطة القائمين على البنك المركزي الأمريكي في عام 1929 عندما حافظوا على فوائد مرتفعة لإبقاء تحويل الدولار الى الذهب ولا يذكر لهم إلا الذكريات السيئة وللأسف!.