سرية المصارف والأزمة المالية

تم نشره في الأربعاء 18 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

أعلنت أميركا وأوروبا الحرب على سرية المصارف ومواطن التهرب الضريبي بحجة عدم إعطاء أي فرصة لمواطنيهم للتهرب من دفع ما يستحق عليهم من ضرائب, وقد كان أحد وعود الرئيس الأميركي أوباما أن يلاحق الأميركيين الذين يفتحون حسابات في الخارج ويتهربون من دفع الضرائب المستحقة عليهم.

ويعود تاريخ سرية المصارف إلى سويسرا، أحد أوائل مواطن الحسابات المصرفية السرية التي مارستها منذ قرون لتخبئة أموال أباطرة أوروبا والفاتيكان واستمرت خلال الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1934 عندما أصبحت السرية المصرفية قانونا سويسريا استفادت منه عالميا لتصبح مأوى الأموال الباحثة عن ملاذ باختلاف الأسباب.

وكان بنك UBS أحد أكبر البنوك السويسرية الذي جذب مئات البلايين من الدولارات التي تحميها قوانين سرية المصارف السويسرية والذي يحقق منها عوائد قدرت بمائتي مليون دولار سنويا، قد تعرض لخسائر فادحة بسبب محفظته الاستثمارية التي ارتبطت بانهيار السوق العقارية الأميركية ومشتقاتها، ووجد نفسه تحت ضغط السلطات الأميركية التي اتهمته بتقديم وثائق غير صحيحة عن حساباته وفرضت عليه غرامة مقدارها (780) مليون دولار، دفعها آملا بانتهاء الملاحقة، لكن ذلك لم يشبع نهم الإدارة الأميركية التي تطالبه بتفاصيل عن أكثر من (50) ألف حساب لمواطنين أميركيين تعتقد الإدارة الأميركية أن حساباتهم لدى البنك المذكور تضيع عليهم عوائد ضريبية تقدر ببلايين الدولارات سنويا.

وقد اعترف البنك المذكور بأن لديه حتى نهاية أيلول من العام الماضي 47 ألف حساب مصرفي لمواطنين أميركيين، وافق على تسليم السلطات الأميركية تفاصيل (300) حساب منها، على أمل أن يفلت ثانية من الملاحقة، التي تطورت بقيادة أميركا وأوروبا لتصبح قضية دولية تلاحق جميع الدول مواطن الحسابات المصرفية التي تحميها قوانين السرية المصرفية والتهديد بوضع أسمائها ضمن قائمة الدول غير المتعاونة، وتم توظيف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية للضغط على سويسرا والنمسا ولكسمبورغ.

وتعتبر سويسرا أن قوانينها تحمي السرية المصرفية لكنها تفرق بين التزوير الضريبي الذي تعتبره جريمة وبين الاشتباه بالتهرب الضريبي أو التهرب الضريبي الذي تتعامل معه بشكل أقل حدة، وبدأنا نسمع تصريحات المسؤولين السويسريين التي تدافع عن قوانينها وسرية مصارفها في نفس الوقت الذي تحاول فيه التعاون مع ما تطلبه السلطات الأميركية والأوروبية، وتبعتها النمسا ولكسمبورغ في ذلك.

وإضافة للدول الثلاث المذكورة، فهناك بلجيكا وسنغافورة وهونغ كونغ وإمارة موناكو وجزر كايمان وبرمودا ومان واندوررا ولخنشتيان وجيرنزي وجيرسي التي بنت شهرتها كبلدان تلجأ لمصارفها الأموال الهاربة أو الباحثة عن مكان آمن، وجميعها بدأت تظهر ليونة في مواقفها حيال قوانينها المحافظة على سرية مصارفها والتعاون مع الدول المطالبة بكشف بعض تفاصيل ما لدى مصارفها من حسابات.

وقد تعرض بنك UBS للنقد الشديد من دولته ومساهميه الذين يعتقدون أن ضعفه وتعرضه للخسائر قد أضعف دور الدولة السويسرية في المحافظة على قوانينها لحماية سرية المصارف التي تدر عليها الكثير من العوائد المالية والتي رسختها منذ عقود وتحاول أن تستمر بها.

كشفت الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على بنك UBS منفذا وجدته العديد من الدول مناسبة للتدخل في شؤون دول أخرى ظنت أنها محمية ولا يستطيع أن يتطاول احد عليها وثبت أن ظنها وهم وان الضعف يعرض الدول لمزيد من الانكشاف الذي يلحق بها مزيدا من الضرر  ويسلبها وسائل دفاعها عن نفسها وعن مواطنيها.

محليا، قد يكون ما نراه مفيدا وحافزا لتوظيف وسائل الدفاع عن انجازاتنا الاقتصادية والسياسية، والتحوط  لحماية مصالحنا، وقد يكون مفيدا أيضا لبعض مواطنينا ممن ظن أن حساباته في الخارج محمية، ورسالة له أن ثرواته وحساباته لدى البنوك الأردنية التي حافظت على سريتها باستثناء ما يطلبه القضاء، هي حسابات محمية قولا وعملا.  

التعليق