محمد أبو رمان

نحو خريطة طريق للدبلوماسية الأردنية

تم نشره في الاثنين 16 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

تُقرأ تحركات المملكة العربية السعودية قبيل قمة الدوحة في سياق تخفيف حدة الاستقطابات العربية، والعمل على ترتيب البيت الداخلي، على الأقل في الحدود الدنيا، لمواجهة التغيرات الإقليمية الكبرى، سواء في التعامل مع الأجندة الأميركية الجديدة في المنطقة أو الحكومة اليمينة الإسرائيلية القادمة، أو حتى تعاظم دور دول الأطراف (إيران وتركيا).

يبدو أنّ الجهود السعودية أتت شيئاً من أكلها في قمة الرياض المصغرة، وذلك بتخفيف حدة التوتر مع سورية، ما انعكس على الحوار الفلسطيني في القاهرة، قبل أن تعود القضايا الخلافية لتطغى عليه، في حين لم تنجح إلى الآن المحاولات لرأب الصدع بين مصر وقطر.

وقد تؤدي مقاربة الرئيس أوباما الجديدة بالانفتاح على السوريين والإيرانيين، ومنح الأفضلية للمفاوضات الإسرائيلية- السورية إلى تحفيز دمشق للحد من تحالفها مع طهران، بخاصة أنّ سيف المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري بات اليوم مصلتاً على عنق النظام السوري، ويشكل تهديداً حقيقياً له.

إلاّ أنّ الحديث عن عودة المحور (السوري، السعودي، المصري) ما يزال مبكّراً، وأمامه عقبات كبيرة. فحتى التصريحات السورية غداة اجتماع الرياض كانت حذرة، وتحدثت عن "إدارة الخلافات العربية"، فسورية تنتظر مقايضة كبيرة من دونها لن تتمكن من القفز إلى "مربع استراتيجي" آخر مغاير لحساباتها السياسية الحالية.

الأردن الذي شارك في مطبخ "التضامن العربي"، في اجتماعات وزارية في مصر وأبو ظبي، قبل أسابيع، وتمّ رسم خطوط عامة لمواجهة التحديات المقبلة، لم يشارك في قمة الرياض، وهو ما يصر مسؤولون وسياسيون مخضرمون أردنيون على التقليل من دلالته، على اعتبار أنّ الأردن ليس طرفاً مباشراً بالخلافات التي تحاول الرياض فك ألغازها.

لا أتصور أن المشكلة في عدم مشاركتنا في قمة الرياض، بقدر ما أنّها ترتبط بإعادة هيكلة وتعريف الدور الإقليمي الأردني في مواجهة المتغيرات الإقليمية الجديدة، والتفكير في المساحة التي يتحرك فيها، والأوراق التي في حوزته.

فالأردن ليس دولة هامشية تسعى إلى القيام بأدوار أضخم من مكانتها الحقيقية في النظام الإقليمي العربي، بل كان الأردن على الدوام لاعباً محورياً ورئيساً في الملفات الإقليمية الساخنة، بخاصة تلك التي تمس أمنه الوطني ومصالحه العليا، وتحديداً الفلسطيني والعراقي.

في مقابل هذه القراءة، يرى بعض السياسيين أنّ الأفضل للأردن اليوم أن يحد من مساحات دوره الإقليمي ويركز على شأنه الداخلي ويخرج من دائرة الاستقطابات والخلافات العربية.

هذا الرأي على وجهاته يواجه مشكلتين؛ الأولى أنه يكرر السيناريو نفسه قبل سنوات، عندما بدأ الحديث عن ضرورة التركيز على الشأن الداخلي، وتحديداً الاقتصادي، ثم نعود لاحقاً إلى البحث عن الدور الإقليمي، الذي يشكل مورداً مالياً رئيساً للاقتصاد الوطني من ناحية، كما أنه رئيس لحماية الأمن الوطني الداخلي من ناحية أخرى، في سياق بيئة إقليمية متغيرة ومضطربة.

أمّا المشكلة الثانية، فتتمثل في أنّ التركيز على المفاوضات السورية وتآكل فرص حل القضية الفلسطينية يعيدان مرة أخرى طرح سؤال الحل النهائي للقضية الفلسطينية، والمخارج الإقليمية له. وفي سياق الالتزام الأردني الكامل بالمربع الاستراتيجي الحالي، فإنّ المحصلة ستكون محدودية خياراته وضيق مساحة حركته، ووقوعه تحت ضغوط إسرائيلية وأميركية شديدة للموافقة على أدوار لا يقبل بها "مطبخ القرار"، وتؤثر سلباً على الاستقرار الداخلي.

وعليه، فإنّ أولويات السياسة الخارجية الأردنية تتمثل اليوم بإعادة التفكير جديّاً بالأوراق الإقليمية التي بحوزتنا، وتنويع سلة الخيارات، لتوسيع هامش المناورة الاستراتيجية، وفتح الآفاق على علاقات سياسية واقتصادية أوسع مع العراق، والتفكير الجدي في تطوير العلاقات الاستراتيجية مع سورية، لا على حساب التحالف التقليدي مع كل من مصر والسعودية والإمارات، وإعادة فتح القنوات مع حركة حماس والاشتباك الإيجابي مع الملف الفلسطيني بصورة مؤثرة وفاعلة.

المصالحة العربية تمثل، بالفعل، مدخلاً مناسباً وفرصة سانحة للأردن لإعادة هيكلة دوره الإقليمي، ما يدفع إلى بناء قراءة سياسية وطنية للمتغيرات الإقليمية والتحديات والتغير في مصادر التهديد الأمني، والسيناريوهات المحتملة وخيارات المواجهة، وهي قراءة أساسية، تحتاج إلى حوار معمق مع الخبراء والمتخصصين بهذا الشأن، وثمثل خارطة طريق للدبلوماسية الأردنية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المصالحة مع الشعوب (بانا السائح)

    الاثنين 16 آذار / مارس 2009.
    من يسمع عن المصالحات العربية يكاد يصدق أنها حقيقة واقعة و ان الدول العربية أصبحت بين ليلة و ضحاها تربطها علاقات اخوية و قومية لتنقذ فيها ما تبقى من العروبة. يا أخي العزيز اذا أمعنا النظر الى حال كل دولة عربية بحالها نجد ان الاغلبية منها تعاني من مشاكل و قضايا مستعصية لا حصر لها و لا عدد..اما الدول الباقية فهي قائمة بحماية الخالق لها بعد انهيار اقتصادها و هلاك شعبها من الفقر و الاضطهاد..و مع ذلك اذا كان امر المصالحة يقتضي أن نرحب و نهلل له, فنحن كذلك. و لكن المصالحة الحيقيقة بين العرب هي مصالحة الدول العربية مع شعوبها و اعادة الاعتبار لوجودهم.. ما الفائدة التي ستعود على المواطن السوري بعد مصالحة سوريا و مصر و العكس صحيح؟ كيف ستضفي المصالحة بظلالها على حال المواطن المصري الذي انهكه الفقر و الفساد؟ تلك هي المصالحة التي ينشدها شعوب ضاقت بهم الارض من نكران لحقهم في الحياة الكريمة..! و لتسمح لي بالعودة الى ديارنا و الاشادة بما ذكرت من ضرورة اصلاح الوضع الداخلي و عدم التشتيت و خلط الاوراق بين المهم و الاكثر أهمية.. أعتقد أن الاردن يكون دوره أكثر فاعلية و تأثيرا اذا ما تم ترتيب البيت الداخلي أولا و الاصلاح السياسي الذي لا يقل أهمية عن الاقتصادي و من ثم الانطلاق بخطى واثقة و صلبة نحو حلول اقليمية واقعية...