من تصدير الإرهاب إلى تصدير القمع

تم نشره في الاثنين 16 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

في بدايات العام الحالي أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهو منظمة غير حكومية تهدف إلى دعم احترام مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي، تقريره السنوي الأول المعنون "من تصدير الإرهاب إلى تصدير القمع – حقوق الإنسان في العالم العربي 2008".

يرصد التقرير الواقع في أبواب ثلاثة بدقة انتهاكات الحكومات العربية المنظمة لحقوق الإنسان في 12 دولة، يعاني بعضها من النزاعات المسلحة، كالعراق والسودان واليمن، وأخرى تدار بقبضة سلطوية تتفاوت نعومة وقمعا بين المغرب ومصر والجزائر وسورية.

كما يتناول واضعو التقرير أنماط تعامل الحكومات العربية مع الضغوط الدولية الهادفة لإحداث تغيير إيجابي في وضعية حقوق الإنسان في عالمنا موضحين من جهة التهافت الأخلاقي والعملي لهذه الضغوط نظرا لتبعيتها لمسارات المصالح الغربية، ومن جهة أخرى نجاح الحكومات العربية في تحييد أثرها باتباع استراتيجيات جماعية وفردية ترتكز إلى إدعاء الرفض المبدئي لتدخل الخارج في الشؤون العربية.

إلا أن الأجمل في هذا التقرير الشجاع والموثق هو بابه الثالث الذي يعالج به أستاذي الفاضل الدكتور محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية في مصر، متعه الله بالصحة والعافية، تحولات الثقافة العربية من منظور حقوق الإنسان مركزا على العوامل التالية:

1- التغير في مواقف بعض التيارات السياسية الرئيسية الفاعلة في العالم العربي من إسلامية ويسارية وعروبية لجهة الانحسار النسبي للمنابع التبريرية للعنف والانفتاح الجزئي على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية.

2- التحول في تراتبية أولويات المفكرين وصناع الرأي على نحو يدفع إلى الواجهة بقضايا كاحترام التنوع الديني والمذهبي - بين المسلمين والأقباط في مصر والسنة والشيعة والمسيحيين متعددي الطوائف في لبنان - وقبول التعددية العرقية - العرب والأكراد في العراق والعرب والأفارقة في السودان - ويعلي من شأن المنطق الديمقراطي في التعامل معها.

3- التغير في بنية النقاشات العامة حول شؤون المجتمع والسياسة والدين بصورة تفرض احتراما متزايدا لحرية التعبير عن الرأي والحق في الاختلاف.

المعالجة الرائعة للدكتور سعيد لتحولات الثقافة العربية وانفتاحها الإيجابي في بعض أوجهها على قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية - وأنصح القراء بمطالعتها وكذلك بقية أبواب التقرير على الموقع الإلكتروني لمركز القاهرة في www.cihrs.org - حفزتني على متابعة الخيط التحليلي المقدم هنا بالنظر في أوجه أخرى للثقافة العربية تصيغها وتحركها هواجس ورؤى وأفكار تتناقض بوضوح مع مضامين ومفردات حقوق الإنسان.

فمن جهة أولى، وعلى الرغم من رجاحة إشارة الدكتور سعيد إلى انحسار المنابع التبريرية للعنف التي ارتبطت في الماضي ببعض التيارات السياسية، إلا أن الثابت أيضا أن ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف داخل المجتمعات العربية مازالت إما غائبة أو محدودة الفاعلية في العديد من الحالات.

في الجوهر، ترتبط الديمقراطية بمنهج وإجراءات الإدارة السلمية للاختلاف التي تسمح بتعددية الطروحات والفاعلين وبتداول السلطة بينهم في إطار من حكم القانون والمشاركة الشعبية واحترام قيمة الفرد-الإنسان-المواطن.

لا إدارة سلمية للاختلاف في الدول التي تعاني من نزاعات مسلحة كالعراق ولبنان وفلسطين إن تجاوز المواطنون الخطوط الحمراء للقوى السياسية والطائفية المستعدة دوما للقمع أو تصارعت هي فيما بينها. تغيب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف بين نخب الحكم والمعارضات في الدول المستقرة كالمغرب ومصر والجزائر وسورية، على الرغم من التفاوتات الهامة في طبائع نظمها السياسية بين السلطوية الناعمة في الثلاثة الأول والقمع المباشر في الأخيرة.

فلم تتبلور بعد لدى المؤسسة الملكية المغربية والنخب الجمهورية الحاكمة في مصر والجزائر وسورية قناعة إستراتيجية بإمكانية صناعة التوافق بينها وبين المعارضات على نحو يضمن مصالح المجتمعات الحيوية ويصيغ من القواسم المشتركة ما يسمح بتفعيل مبدئي حكم القانون وتداول السلطة وبإشراك الأفراد بوصفهم مواطنين ذوي أهمية في إدارة الشأن العام من خلال آليات كالانتخابات الدورية والرقابة الشعبية لمؤسسات المجتمع المدني.

يرتب غياب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف داخل المجتمعات العربية أو محدودية فاعليتها إن وجدت نزوعا مستمرا نحو عسكرة للمجتمع وللسياسة تتناقض جذرياً مع مبادئ حقوق الإنسان والفكرة الديمقراطية. تضخم المكون الأمني-الاستخباراتي في معظم الدول العربية المستقرة، ملكية وجمهورية، حتى طغى على الهيئات التنفيذية الأخرى وألغى استقلالية السلطتين التشريعية والقضائية. أما في حالات العراق ولبنان وفلسطين فتمتد العسكرة من القوى السياسية إلى تركيبات المجتمع الأولية الطائفية وتتداخل معها على نحو يصنع دويلات داخل الدولة تمتد كالخلايا السرطانية لتجهز عليها. هل يمكن إذا بمصداقية الحديث عن تنامي الإيمان العام بحقوق الإنسان وانفتاح الثقافة العربية على مضامينها في لحظة يصلح بها اختزال الواقع السياسي العربي الراهن في رمزية مقولة سلاح أو أداة قمعية في وجه كل مواطن يتجاوز الخطوط الحمراء؟ فرغت المواطنة من مضامينها الحقيقية واستحالت حديثاً بالياً لنخب حاكمة سلطوية وكيانات دينية وطائفية تسلب الفرد آدميته وحقه في الحياة كيفما شاءت، فهل يحق لنا الحديث بعمومية عن قابلية الثقافة العربية للفكرة الديمقراطية؟

من جهة ثانية، وعلى الرغم من أن الأعوام الماضية، وكما أشار الدكتور سعيد محقا، شهدت تناميا للنقاش العام حول حقوق الإنسان، إلا أن وباء الشمولية العربي الذي أورثتنا إياه العقود الطويلة من الحكم السلطوي مازال عصياً على الاستئصال. وقناعتي أن إفرازات وباء الشمولية ترتبط قبل كل شيء بفرض نظرة استعلائية تجاه المجتمع والتاريخ تتناقض مع جوهر مبادئ حقوق الإنسان والفكرة الديمقراطية وتكمن خطورتها في شيوعها بين التيارات السياسية المختلفة والتباسها بطروحات العديد من المفكرين وصناع الرأي على نحو يجعل من رصدها ومحاصرتها أمراً من الصعوبة بمكان.

ترفض النظرة الاستعلائية تجاه المجتمع الاعتراف بواقعه الاجتماعي والسياسي بل وتستبيح نفيه باسم صياغات أيديولوجية علمانية كانت أو دينية. تعالت على سبيل المثال خلال الأعوام الماضية أصوات العديد من اليساريين والقوميين، بل وبعض الليبراليين العرب، في أعقاب نجاحات القوى والأحزاب الدينية الانتخابية مهونةً من شأنها ومفسرةً إياها باختزالية ملحوظة إما كتعبير عن وعي جماهيري زائف أو كظاهرة انتقالية مآلها إلى الزوال أو كدليل على عزوف الأغلبيات "علمانية الهوى" عن المشاركة وتركها ساحة الفعل للإسلاميين جيدي التنظيم.

مصدر الاستعلاء الشمولي المناقض للفكرة للديمقراطية هنا هو تجريد الحقيقة المجتمعية من مضمونها وتأويلها القسري بصورة تلائم فقط قناعات الذات الناظرة. أما استمرارية النظرة الاستعلائية للتاريخ فدلل عليها وأعادها إلى الأذهان النقاش الرديء المستمر إلى اليوم حول الهولوكوست أو محرقة اليهود في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

يمثل التعاطي الإنكاري لمفكرين وصناع رأي عرب ذي هوى ديني مع جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية بشعة اعترف بها ووثقها من تحمل وزرها، والتهليل الصاخب له في الفضاء العام العربي نموذجاً مقيتاً للتفسير الشمولي لأحداث الماضي الكبرى على نحو يناقض تماماً مبادئ حقوق الإنسان. بل الأمر من ذلك، وكما أشرت في مقال الأسبوع الماضي، هو استمرارية هذه الشمولية النافية المحتقرة للإنسان حين النظر إلى الجرائم التي ارتكبت في دارفور.

تلك هي بعض شواهد غياب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف واستعصاء وباء الشمولية العربي. استمرارها لا يدحض قط مقولات أستاذي الدكتور سعيد حول التحولات الراهنة للثقافة العربية، فقط يرسم برتوشه القاتمة صورة واقعية مكملة لمعوقات الانفتاح الحق على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في عالمنا. مجددا، أهنئ مركز القاهرة على إصدار هذا التقرير المتميز وأنصح القراء بمطالعته.

* أكاديمي مصري

التعليق