استراتيجية "التكامل الإقليمي" لمواجهة الأزمة الاقتصادية

تم نشره في الأحد 8 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

بات الجميع  يدركون الآن أننا نمر بأسوأ أزمة اقتصادية منذ ثلاثينيات القرن العشرين. ومن المحزن أن الاستجابات النزاعة إلى الحماية أصبحت من الأمور المعتادة: الاحتجاجات ضد العمال الأجانب، والمطالبة بالحماية التجارية، والقومية المالية التي تسعى إلى تقييد تدفق رؤوس الأموال عبر الحدود الوطنية.

إلا أن القومية الاقتصادية في الثلاثينيات لم تكن العنصر الوحيد المؤثر. فقد بدأ العديد من الناس آنذاك في التفكير في التكامل الإقليمي كوسيلة لمواجهة الكساد.

ولكن ذلك النوع من التكامل الذي يحدث في أوقات الأزمات الاقتصادية كثيراً ما يكون مدمراً. كانت ألمانيا واليابان منشأ أغلب النسخ غير الجذابة من إقليمية الثلاثينيات، وكانت تلك النسخ بمثابة امتداد عملي لتسلط هذين البلدين على البلدان المجاورة الضعيفة، والتي أرغِمَت على التخلي عن استقلالها التجاري والمالي لصالح "المنطقة الاقتصادية الألمانية العظمى" أو نظيرتها لدى اليابان "مجال الرخاء المشترك لمنطقة شرق آسيا العظمى". ونتيجة للفظائع التي شهدتها فترة الثلاثينيات فما زالت الشكوك الضخمة تحيط بأفكار مثل "منطقة شرق آسيا الكبرى".

أثناء النصف الثاني من القرن العشرين سنحت الفرصة لأوروبا لبناء شكل حميد من أشكال الإقليمية. ولكن الاتحاد الأوروبي اليوم أصبح في وضع حَرِج بعد أن أهدر الفرصة لبناء مؤسسات أقوى حين كانت الظروف أفضل والأعصاب أقل توتراً.

إن الاتحاد الأوروبي يعاني من عدد من المشاكل التي نوقشت على نطاق واسع لسنوات عديدة، ولكنها لم تكن قط بهذا القدر من الإلحاح كما هي الآن. فعلى نحو مفاجئ، وفي مواجهة الأزمة الاقتصادية، تحولت هذه المشاكل إلى مصادر رئيسية لعدم الاستقرار السياسي.

إن بلدان منطقة اليورو تتبنى سياسة نقدية مشتركة، فضلاً عن سوق رأسمال متكاملة مع المؤسسات المالية النشطة عبر الحدود الوطنية. ولكن البنوك خاضعة للتنظيم والإشراف على المستوى الوطني ـ كما ينبغي لها أن تكون، وذلك لأن أي عملية إنقاذ في حالة إفلاس أي بنك ضخم تتحول إلى قضية مالية، حيث يتحمل دافعو الضرائب التكاليف في كل من البلدان على حدة وليس على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل. بيد أن هذا الترتيب لا يصمد في مواجهة المنطق الاقتصادي الذي يقوم عليه التكامل الأوروبي.

وهناك مشكلة ثانية واضحة تتلخص في ضآلة حجم ميزانية الاتحاد الأوروبي نسبة إلى ميزانيات البلدان الأعضاء. والقسم الأعظم من النشاط الحكومي يتم على المستوى الوطني. ولكن الحكومات المختلفة تمتع بدرجات متفاوتة من الحيز المالي الذي يمكنها من المناورة.

فالدين العام في إيطاليا واليونان والبرتغال ضخم إلى الحد الذي يجعل أي محاولة لاستخدام الإنفاق المالي كجزء من استراتيجية لمكافحة الأزمة الاقتصادية أمراً محكوماً عليه بالفشل. ولكن أيرلندا التي كانت تعاني من عجز متواضع ومستويات دين منخفضة، أصبحت الآن وعلى نحو غير متوقع في مواجهة نفس النوع من القضايا، وذلك نظراً لاضطرار الحكومة إلى تولي ديون القطاع الخاص نيابة عن القطاع المصرفي. وفي المقابل سنجد أن فرنسا وألمانيا تتمتعان بموقف مالي قوي على نحو متأصل. وهذا يعني أن بلدان الاتحاد الأوروبي الأشد قوة هي وحدها القادرة حقاً على مكافحة حالة الركود المتفاقمة.

فضلاً عن ذلك فإن فكرة تحفيز الطلب التي ابتكرها كينـز كانت في الثلاثينيات تُـطَبَق في سياق الاقتصاد الوطني المكتفي بذاته. وهذا يعني أن أنصار الكينـزية كانوا يصبون الماء الدافئ المتمثل في الحافز المالي في حوض الاقتصاد الوطني، ولكن حين يكون الحوض الوطني مثقوباً، وحين يستفيد أشخاص آخرون من الدفء فإن هذه الممارسة تفقد جاذبيتها. وفي كل الأحوال فإن هذه الفكرة لم تنجح إلا في حالة الدول الضخمة. أما الدول الأصغر حجماً فلا يمكنها أن تستفيد من فكرة تحفيز الطلب.

ثمة سُـبل أخرى لعلاج المشاكل المصرفية والمالية. والسيطرة على القطاع المصرفي هو السبيل الأكثر بساطة. ومن الواضح أن البنك المركزي الأوروبي يتمتع بالقدرة الفنية والتحليلية اللازمة لتولي الإشراف العام على البنوك الأوروبية، بالاستعانة بالبنوك المركزية الوطنية باعتبارها قنوات لإيصال المعلومات. ويستطيع البنك المركزي الأوروبي أن يتعامل مع المشكلة المالية من خلال إصدار سندات أوروبية مضمونة عموماً، وهو ما قد يشكل إجراءً مؤقتاً مقتصراً على حالات الطوارئ المالية.

إن التنظيمات المصرفية والسياسة المالية يتطلبان على السواء قدراً عظيماً من الاعتماد على المؤسسات الأوروبية. وأكثر السبل وضوحاً في هذا السياق يتلخص في استخدام الآليات والمؤسسات القائمة، وبصورة خاصة البنك المركزي الأوروبي أو المفوضية الأوروبية.

وصعوبة تطبيق هذا الاقتراح تكمن فيما يشتمل عليه ضمناً من إضعاف نسبي للدول الوطنية، بما في ذلك الدول الأضخم مثل ألمانيا وفرنسا. ومن المرجح أن تقاوم مثل هذه الدول الاقتراح وأن تحاول اعتماد تدابير خاصة بها.

الحقيقة أن هذه الأزمة قد حولت فرنسا وألمانيا مرة أخرى إلى لاعبين رئيسيين في العملية الأوروبية. ولكن كلما اشتد تأثير الأزمة عليهما اتجه تفكيرهما نحو مصالحهما الوطنية. فمن منظور برلين أو باريس لا ينبغي الاعتماد على المؤسسات الأوروبية بصورة نظامية شاملة. وبدلاً من ذلك تعمل الدول الضخمة الآن على الترويج لتشكيل تجمعات غير رسمية تعمل على البحث عن حلول عالمية.

لا شك أن المعاني الضمنية التي صاحبت أزمة الثلاثينيات قد تضخمت الآن، فكشفت بوضوح عن المأزق الذي يعيشه الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب صدفة غريبة: إذ أن جمهورية التشيك تتولى الآن الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. إن التشيك، الذين ربما كانوا أصحاب الذاكرة التاريخية الأشد وضوحاً للنزعة الإقليمية الرديئة التي سادت أثناء الثلاثينيات، يخلفون اليوم فرنسا، وهي الدولة الأوروبية الأقل تقييداً اليوم فيما يتصل بالتأكيد على مصالحها الوطنية. والحقيقة أن التصادم بين هاتين الرؤيتين لأوروبا من شأنه أن يؤدي إلى تآكل الاستقرار السياسي في المنطقة التي كانت ذات يوم تشكل النموذج الأفضل والأمل الأعظم للإقليمية الحميدة.

* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في كلية وودرو ويلسون بجامعة برينستون، وأستاذ التاريخ في معهد الجامعة الأوروبية بفلورنسا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق