إنه الوطن المختار...

تم نشره في الأربعاء 4 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

ليساعدني الله، هذه الجملة والعبارة التي لم تفارقني أبدا منذ وجدت نفسي هنا في الأرض الأميركية، طبعا لم تكن دهشتي بذلك الحجم الذي كنت أتصوره، لأن قراءاتي وثقافتي عن عظمة وقيم الديمقراطية الحاضرة دوما مع الهواء والماء والخبز، جاءت متوافقة مع كل المشاهدات ولحظات الاكتشاف المثيرة كل دقيقة وزمن ومكان...

هاي... مع الابتسامة الحاضرة في وجوه الأميركيين، والإعلانات التي تصل إلى مدى حرصهم على كرامة وفرح الحيوان، ولهفتهم على الكلاب خاصة، فيما تجد أن الحياة هادئة وتسير بعفوية من دون إزعاجات وإرهاصات رمادية.

في أوكلاهوما سيتي أول ولاية أخذتني في أحضانها، بطبيعتها المجنونة، ما بين برد وحرارة، وربيع وصيف يستيقظ وقت ما يشاء، كان صوت صديقتي من واشنطن يربطني باللغة العربية  وبأشياء جميلة أخفيتها في جسد قصيدة من ورد، فيما كان صديقي الكردي يسامرني في وحدتي، هنا وحيدا داخل جدران بيضاء، ونهارات لا ضوضاء فيها، ولا فوضى، ولا الشرق المغبر في صحراء الحزن والألم.

شهر كامل حولني من شاعر وصحافي وسياسي، إلى طفل أميركي يحبو داخل معمعة الزمن والمكان، طليقا، عليه أن يتعلم المشي والأبجدية والاعتماد على النفس، شهر من دون أنترنت وأخبار وسياسة، لقد تحولت إلى روائي، أكتب ذاتي، وأرسم بالحبر وجمر الحب تفاصيل اللوحة الجديدة، وأبدأ بترميم صلصال الروح من وحل الماضي، ولكن فكرة واحدة لم أستطع أن أفكر بمسحها.. لأن القلب والعقل متلازمان أحيانا في التشبث بحزن قد يجعلك تبدو فرحا هنا.. في وطن الآباء الأولين.

أعلام تزين مداخل البيوت، تهمس في الأذن مدى محبتهم لوطنهم العظيم، لأنهم بوجيز العبارة مواطنون دون درجات، أقصد هم كل شيء في الوطن، مساواة وقوانين تجعلك تشعر أنك قديس حقا، وما عليك سوى ممارسة الحرية وصناعة مادة الحب والأمل والعمل والحياة كلها دفعة واحدة، من دون تمييز أو غبار أو ظلم أو هلوسات شيطانية....

هذه أميركا .. التي يتمنى الكثيرون في شرقنا موتها، ويهربون من حقيقة أنهم أنفسهم هائمون في صناعة الموت وظلم النفس والإنسان، والتبعية في الحياة والعقل والدين والحلم لأصحاب العروش والعمامات السوداء، والإبداع في فن الظلم والطغيان، وقهر فكرة التطور والعيش بكرامة وحرية تحت جنح القانون والعدالة. لكن أميركا لم ولن تموت بالدعاء والسحر والشعوذة والأصولية المجنونة، وأخيرا بالمحصلة نجد الجميع يمدون بأصابعهم نحوها سعيا لنيل الرضا، الأعداء منهم والأصدقاء؟

كل شيء هنا مختلف، الوجوه ببراءتها، السماء.. النوارس .. الشجر..الأحلام .الكلاب مألوفة في تقاسيمها وحنونة، فيما شرقنا الكلب والإنسان سواء، من دون حقوق، والشوارع نظيفة من دون أن تلمح أحدا ما ينظفها، ثقافة الوعي بالنظافة وحماية البيئة هي التي تبقي الحياة نظيفة، أيضا الجلوس في الستار بوكس وشرب القهوة مع العصافير شيء ممتع، تلك العصافير التي تجلس بالقرب منك، بدفئها وحنانها، لا تخشاك، لأن عشها وصغارها وهي في أمان ولها ضمان على الحياة.

كل شيء يسير بانتظام وبعفوية، دون مصادمات، وكأنك في كوكب آخر، لا أدري حتى هنا كانت النصيحة الأولى من الأصدقاء الشرقيين: ( ابتعد عن مخالطة العرب) لا أدري لماذا، أعتقد أن الشرقي يأتي هنا ولا يستطيع أن يتطهر من بقايا الفوضوية وغبار الألوان الرمادية، ولهذا يعيشون في شروخ وابتعاد، والمحاولة لأن يتحول إلى مواطن أميركي، ولكن صعب جدا، قد يكون كل شيء أميركيا داخل الإطار المصطنع، مع بقاء رائحة الفم وطعم الذاكرة عروبة وشرقية سلحفاتية، وممارسة الحرية بشكل مشوه ومرضي.

يحتاج المرء لسنوات لأجل أن يندمج ضمن المجتمع الأميركي، إتقان اللغة، والإبداع في العمل، وتعاطي الحرية الإنسانية بتوازن وعقلانية متسلسلة، إلى جانب الإرادة التي تدفعك إلى أن تكون ذاتا فاعلة ومؤثرة، شاعرة ومستشعرة، وتفتح أجنحتك أمام الريح الأميركية لتحلق في طياتها حرا، فأنت إنسان هنا، والقانون هو الحامي بعد الله، والوطن خلق لأجلك، يحبك لتحبه، يعطيك لتشكره، ولهذا أميركا عظيمة، والسر هنا.

الحرية ليست أن تلبس وتأكل البيتزا والهمبرغر وتجلس في الستار بوكس، أو تنام كل ليلة مع شقراء، أو تحظين برجال هم أشبه بالوجبات السريعة، فلا مكان، ولا وقت لأن تغلب هذه الأشياء على عملك والفرص التي تنتظرك، الحرية هي أن تبحث عن الإنسان في كل الأشياء والأماكن، لتصل إلى إنسانيتك، وحين تعود إلى وطنك الأم ستعمل لأجل الإنسان وخلاصه بصدق تحت وازع الوطن والقانون.

تسير الحياة سريعة، وهادئة، ولا مهرب من عيش المقاربة والتأسف على حياة أحبائنا ممن ظلوا هناك وراء السياج القاسي، ووجه الاختلاف بين أميركا والشرق يكون حاضرا، هنا أنت كل شيء، وهناك في الشرق نحن لاشيء. وحين نحلم أن نفكر بذلك، يقمعك الجميع بسياط أو فتوى أو لعنة...

أميركا... حلم لم تنته فصوله، ولوحة ملونة عليك أن ترسم نفسك داخلها، وتعود يوما إلى أرض الجذور، لتغير من المكان هناك كل التراكمات الأزلية الملوثة، وتفتح القبر، وتخرج الإنسان من جسد الصمت والخنوع، والولاء للآلهة الأرضية، وتبدأ بالبذرة الأولى، حرية الإنسان لأجل خدمة الإنسان، وحينها حتما سيكون الجميع حاضر أمامك، الوطن والقانون والأحلام والقصائد.. تضحك..تغني.. تصرخ.. تحب وتعشق من دون خوف.

هذا ما همست به الأرواح السالفة في أعماقي، وكذلك ذاكرة الشمس.

ويلسون بمبادئه... مارتين لوثر... كوخ العم توم.. عصافير واشنطن.... صديقتي الأميركية الشاعرة... والشوارع بطقوسها الشعرية ...      

* كاتب سوري.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية

www.minbaralhurriyya.org 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نظرة الى امريكا الداخل..... والخارج (البوريني)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2009.
    البيت الامريكي الداخلي قد يكون مثاليا لحد ما من منطلق الحريات والعدالة بين المواطنين وهي سمة ايجابية وطبيعية موجودة في اي بيت على هذه البسيطة، لكن ما أن يخرج هذا الامريكي من البيت الى الشرق الاوسط أو الى العراق او الى كوريا او الى فيتنام حتى ترى مدى البطش والظلم في سلب حريات الآخرين ونهب خيراتهم وثرواتهم ونشر الفوضى والدمار.
    أمريكا هي مثال لأكبر اقطاعي ظالم يحكم العالم فهذا الاقطاعي تراه حملا وديعا مع أهل بيته وشركائه الاقطاعيين الآخرين لكن مع المستضعفين تراه يستغلهم وينهب أرضهم بل وينتهك أعراضهم بحجة أنا من يحميكم، أنا من يدفع لكم، أنا من أحييكم وأنا من أميتكم.
    أمريكا قامت على حرق وذبح السكان الأصليين من الهنود الحمر الذين شهدوا أشنع وأفظع أنواع الابادة على مر التاريخ ولا يمكن لحضارة قامت على هذه المحرقة أن تبقى.....ان غدا لناظره قريب