مثال البوسنة في التعايش

تم نشره في الاثنين 16 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

 

سراييفو- "لا يستطيع "غربي" أن يمحو التأثيرات الإسلامية في البوسنة، ولا يستطيع "شرقي" أن يفرض تأثيراته الخاصة على أسلوب حياتنا".

تفسر هذه العبارة، التي سُمِعت في مقهى في سارييفو، الطابع والهوية الفريدين للبوسنة والهرسك. ورغم نزاع العقد الماضي، ما تزال هذه حالة نادرة لدولة تتبع السبيل الوسطي من التعايش بين أفراد ديانات مختلفة، ينحدرون من أعراق متنوعة.

دخل الإسلام البوسنة في القرنين الخامس والسادس عشر أثناء حكم الدولة العثمانية. طالما كان البوسنيون المسلمون جيراناً مع الصرب، وهم أغلبهم من المسيحيين الأرثوذكس ومن الكروات الكاثوليك بشكل كامل وغيرهم من الأديان والأعراق من الأقليات مثل اليهود والألبان والروم وغيرهم.

وإذا تحدثت مع أفراد من أجيال أكبر سناً في البوسنة والهرسك، فسوف تجدهم يستذكرون وقتاً أشار فيه القائد الشيوعي اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو إلى البوسنة والهرسك على أنها نموذج للتعايش اليوغسلافي من دون نزاع.

ورغم عدم وجود تسامح ونزاع بين أفراد المجموعات الدينية والعرقية المختلفة، لم تنجح التوترات أبداً في تحريض جميع أفراد مجموعة ضد الأخرى. معظم النزاعات في تاريخ البوسنة مستوردة أو تم تنظيمها في أنقرة وفيينا وبرلين وبلغراد وزغرب، من أجل احتلال الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية المحلية.

شكّلت الحرب البوسنية (1992 - 1995)، والتي اشتعلت نتيجة لتفسّخ يوغسلافيا، وتسببت بالكثير من البؤس والدمار في المنطقة، أحد الاستثناءات الحاسمة في التاريخ الحديث. قامت قوات الناتو في نهاية المطاف بإعادة الأمن والسلام. ولكن بعد معاهدات دايتون للسلام عام 1995 والتي وضعت حداً للحرب التي استمرت ثلاث سنوات، عاد اللاجئون إلى بيوتهم ليجدوا مدنهم مقسّمة فعلياً في العديد من الحالات عبر خطوط عرقية. كما أن القوانين المحلية التي عملت على تحديد حريات الحركة فاقمت من هذه التوترات ووقفت حائلاً أمام جهود المصالحة.

نتيجة لذلك، بقيت أجزاء من البوسنة والهرسك مقسّمة سياسياً ودينياً وعرقياً حتى هذا اليوم.

إلا أن استعادة السبيل الوسطي للتعايش كانت منذ الحرب هدف البوسنيين العاديين العاملين مع منظمات غير حكومية في المدن المحلية. شكّلت عمليات إعادة الإعمار أسلوباً للمجموعات المختلفة للعمل معاً من أجل الصالح العام. وتعمل منظمات حوار الأديان مثل "المنبر العالمي للبوسنة" ومركزها سراييفو، والتي تضم مركز الحوار الديني وتعمل على تيسير الحوار بين المجموعات الدينية المختلفة، ومنظمة المينونايت العالمية، التي تساعد في إعادة بناء المنازل وفي برامج الشباب، تعمل بجد للتخفيف من التوتّرات الباقية في مجتمع ما بعد النزاع هذا.

إلا أن ما يثير الإعجاب هو تلك الأماكن التي يتعايش فيها أناس عاديّون من أديان وأعراق مختلفة، ولم يتوقفوا أبداً عن ذلك حتى اثناء الحرب. وهذه هي المجتمعات التي يمكن لبقية المنطقة أن تتعلم منها. هم الذين التزموا بالطريق الوسطيّ ورفضوا الانتماء إلى الذين ارتكبوا أعمال عنف على خطوط دينية أو عرقية وانقلبوا على جيرانهم في أوقات المشاكل.

كان معروفا أن مدناً مثل سراييفو وموستار وتوزلا تضم أكبر المجموعات العرقية في البلقان. اجتمع الجيران معاً خلال الحصار أثناء الحرب بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، لحماية بعضهم بعضاً وحماية مدنهم من الدمار. واقع الأمر أن قذائف المدفعية التي تساقطت عليهم بغزارة أوجدت تعاضداً وتضامناً بينهم بدلاً من أن تفرّقهم.

لم تكن الأحياء في هذه المدن تاريخياً موزعة بين مجموعة وأخرى. كان هناك اختلاط بين الأديان والأعراق منذ أجيال عديدة، وكان يعتبر هذا النوع من التعايش أسلوب الحياة، بعكس مدن أخرى في المنطقة، حيث كانت مجموعة عرقية أو دينية تشكل الغالبية.

وقد أثبتت هذه المواقف الممثلة بالانضمام معاً أثناء الحرب أنه لا يمكن فصل جميع المجتمعات المحلية عبر خطوط عرقية أو دينية، حتى في أوقات الحروب. واقع الأمر أن أناساً من خلفيات متنوعة اجتمعوا كردّة فعل على المحاولات العدوانية لتفريقهم.

* محرر رئيسي في مجلة "البوسنة اليومية" الإلكترونية ومركزها سراييفو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق