حسم الخيارات الفلسطينية

تم نشره في الجمعة 6 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

 

حسم الخيارات الفلسطينية متاح وطريقه معبّد، ولن يُنتج احتراباً فلسطينياً داخلياً يؤثر على مستقبل القضية كما يتصور البعض

تقف القضية الفلسطينية اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما العودة بها إلى مسار الثورة، الذي يجمع أنواع العمل العسكري والسياسي، أو استمرارها في مسار السلطة المفاوضة، التي لا تملك سوى ورقة السياسة، هذا إن ملكتها.

إذا كان هذا يعني أن الخلاف بين حركتي حماس وفتح (بقيادتها الحالية) له أسباب موضوعية ووجيهة، كما قلنا في مرة سابقة، فإنه يعني بالضرورة أيضاً أن الاصطفافات السياسية التي تنتج عنه لا تتعلق فقط بالانحياز لحركة من دون أخرى، بل بالانحياز لبرنامج عمل من دون آخر، ورؤية من دون أخرى، ووجهة نظر من دون أخرى، وحل مقترح للأزمة الفلسطينية المتواصلة منذ وفاة عرفات، من دون آخر.

هكذا، تغدو الدعوة لـ"الوحدة الوطنية الفلسطينية"، التي لا تحسم الخيارات الفلسطينية المستقبلية، ترفاً لا داعي له ولا جدوى منه، فتلك الوحدة إن تمت فإنها سرعان ما ستنفرط من جديد، لأن التباين السياسي والبرنامجي بين طرفي الخلاف، أعمق من أن تجسره حلول وسط وتنازلات وتوافقات.

ولأن القضية الفلسطينية استعادت مركزيتها العربية، بعد سنوات من تراجع مكانتها نتيجة مضي القيادة الفلسطينية في عملية التسوية، فإن الاصطفافات السياسية المتعلقة بالخيارات الفلسطينية لم تعد مسألة فلسطينية "داخلية"، على افتراض أن للفلسطينيين شؤوناً داخلية مستقلة أصلاً، بل هي أيضاً مسألة تهم كل عربي، وتهم الجوار الفلسطيني على نحو خاص.

  بهذا، يكون على المهتمين بالشأن الفلسطيني، والمعنيين والمتأثرين به، أن يلعبوا دوراً دافعاً لحسم الخيارات الفلسطينية بين طريقي "الثورة" و"السلطة المفاوضة"، وأن يتجاوزوا خطاب المصالحة والتوافق بين فتح وحماس، لأنه لا يخدم أحداً ولن يثمر شيئاً. أما الذين يتباكون على حال الخلاف الفلسطيني فإن عليهم أن يتريثوا قليلاً، فليس كل خلاف ضارا بـ"المصلحة الوطنية العليا" بالضرورة، وليس كل "شقاق" يصب في مصلحة إسرائيل، إذ في اللحظات التاريخية الفارقة، يكون حسم الخلافات والخيارات نافعاً ومهماً.

يعزز ذلك، اعتقاد يكاد يلامس الحقيقة، باتجاه الشعب الفلسطيني للانحياز إلى برنامج "الثورة"، سواء مثّلته حماس، أو قيادات من الصف الثاني في فتح تتبنى نهج الراحل عرفات، بخاصة بعد الحرب على غزة، وأن أية انتخابات فلسطينية نزيهة قادمة، ستفرز تبنياً لذلك البرنامج، بعد أن ثبت بالتجربة فشل خيار "الورقة الواحدة" التي لا يمكن المناورة بها. وعلى هذا فإن الخلاف الفلسطيني الحالي لا يعني وجود انشقاق عمودي يستحق التباكي عليه، بل هو خلاف بين أغلبية مُبعدة عن القرار، وأقلية تدعي الشرعية.

حسم الخيارات الفلسطينية، إذن، متاح وطريقه معبّد، ولن يُنتج احتراباً فلسطينياً داخلياً يؤثر على مستقبل القضية كما يتصور البعض، أو يحب أن يتصور. على العكس، فإن الإبقاء على حالة الخلاف الحالية بين الأغلبية التي باتت تملك شرعية كبيرة، والأقلية التي تفتقد للمصداقية برغم كل ما تلاقيه من دعم دولي وإقليمي، هو الأمر المضر بالمصلحة الفلسطينية، لأنه أولاً يساوي بين الطرفين على نحو لا يتناسب والتطورات الحاصلة بعد الحرب الأخيرة، ولأنه ثانياً يرمي لإقناع الأغلبية بالانضواء تحت قيادة الأقلية، ومن ثم منح تلك الأقلية شرعية لا أساس لها على أرض الواقع، وهو ما يفضي في المحصلة إلى إطالة أمد الخلاف الفلسطيني ومدّه بسبل البقاء.

من مصلحة القضية الفلسطينية إنهاء الخلاف بين فتح وحماس، وإعادة توحيد العمل الوطني الفلسطيني. لكن ذلك لا يتأتى بالمجاملات، وإنما بحسم الخيارات: على الأقلية أن ترحل، وعلى الأغلبية أن تتولى دورها التاريخي، وهو أمر متاح لفتح كما لحماس، ولكن عبر استعادة فتح تاريخها النضالي، وإلا ستظل ساحة الشرعية والمصداقية ملعباً لحماس وحدها.

samer.khair@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وثيقة الاسرى (احمد)

    الجمعة 6 شباط / فبراير 2009.
    لقد اجمعت جميع الفصائل على برنامج موحد وهو وثيقة الاسرى التي تبنتها القيادة الفلسطينية ووافقت عليها حماس. ولكن من الذي انقلب عليها؟ انها حماس التي وقعت عليها بعد ان وجدت نفسهاوحيدة.