أليس تمجيدُ الدم يُفقِد الضحيةَ صفتها؟

تم نشره في الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

في مقابل الرؤية التي تمتدح بذل الدم لمقارعة السيف، ثمة رؤية أخرى تمتدح إعمال العقل والحكمة ودقة النظر لتجنب ضربات السيف، أو الخروج منها بأقل الأوجاع والجراح. الرؤية الأولى تفترض أنه كلما زادت الدماء فقَدَ السيف مضاءه، وخسر حدّته، فيما تراهن الرؤية الثانية على أن الحكمة هي سند الضعيف، وأن هذه الحكمة تحثه على أن الحفاظ على الذات لا يمرّ عبر فقدها وإفنائها.

إنه الصراع الأزلي بين البطش والضعف، وهو في الآن نفسه، وفي حالتنا كعرب ومسلمين، صراع فكري وسياسي يطال رؤيتنا (الممتدة عبر التاريخ) للحياة والموت، وهو جدل يضيء على مدى تغلغل القيم  الإطلاقية أو النسبية في ثقافتنا، ومدى احتفائنا بالألوان أو حصرها في الأبيض والأسود وحدهما.

ولنعد للتساؤل: أيهما يغلب السيفَ: الدمُ أم الحكمةُ والعقلُ؟ أيهما أقدر على مواجهة المخرز: اليدُ أم دقةُ النظر ورجاحةُ الرأي؟.

أيهما أجدر بالتبني قول أبي الطيب المتنبي" الرأي قبل شجاعة الشجعان" أم قول أبي تمام "السيف أصدق إنباءً من الكتب"؟

هل الدعوة إلى رجاحة الرأي جبن وخنوع؟  ألم يصف بعض المسلمين خالد بن الوليد حين استخدم الحيلة والعقل في غزوة مؤتة ولم يتتبع أدبار الروم حرصا على أرواح من معه.. ألم يصفوه ومن معه بـ"الفُُرّار"، فما كان من النبي الكريم إلا أن تدخل قائلا: "بل هم الُكرّار"، مغيّرا مفاهيم الشجاعة والتخاذل وفق معايير حفظ النفس وصون المصالح والحقوق والموازنة بين المكاسب والخسائر؟. ألم ينلْ خالد لقب سيف الله المسلول بعد هذه الواقعة؟ ألم يدرك الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب موازين القوى حين لم يتحمّس مع المتحمسين لغزو الروم بحرا ولمّا يتهيأ المسلمون لذلك، فقال كلمته في الحرص على الحياة:" لَمسلمٌ واحدٌ أحبّ إليّ من الروم وما حَوَتْ"؟.

الإشكالية تتعقد حين يتم الخلط بين الحرص على صون الحياة والإصغاء لموازين القوى، والسعي لتحقيق الأهداف خطوة خطوة، وبين الحديث عن العزة والكرامة التي تكاد التسويات أن تعصف بها أحيانا، برأي من يميل إلى مواجهة السيف عبر مزيد من الدم. وهي إشكالية حواها تاريخنا، حيث علّق، على سبيل المثال لا الحصر، بعض المسلمين على صلح الحديبية بالقول مستنكِراً: كيف نعطي الدنيّة في ديننا؟!

هذه الأسئلة وغيرها تستحثّ منا حوارا وجدلا مفتوحا، وسُبحة الأسئلة هذه تقف على أرضية صلبة تؤكد، في الحالة الفلسطينية على وجه الخصوص، أن الأراضي الفلسطينية تخضع لاحتلال إسرائيلي غاشم، وأن من حق الفلسطينيين مقاومة الاحتلال، ونيل حقوقهم الوطنية في الاستقلال والدولة المستقلة والعيش الكريم.

هي دعوة للتذكير بأن الدم غال ونفيس، وأن حفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة. هي دعوة للحوار تزعم أن الفلسطيني شخص يحب الحياة ولا يقدّس الدم ولا يسترخصه، وأن الأم الفلسطينية تحزن مثل كل الأمهات حين يموت أبناؤها أو يجرحون. وأن الفلسطيني يفجع بهدم منزله، وأن التذكير بكل ذلك ليس ضعفا أو تحطيما للمعنويات ومعاني الصمود ضد عدوان إسرائيل وغطرستها ودمويتها.

هي دعوة للنقاش تزعم أن تسليط الضوء على ألم الفلسطيني يقصد إلى القول إن الفلسطيني ضحية احتلال إسرائيل، التي تريد احتكار دور الضحية، وأن آخر محاولاتها في ذلك تشكيكها قبل شهور بصحة صورة الطفل محمد الدرة التي  بثتها قبل سنوات قناة فرنسية للعالم كله، وأن قول إسرائيل إنها واجهت في غزة "حماس" وليس الفلسطينيين إنما قصد أيضا نزع دور الضحية عن الفلسطينيين.

وهنا أتساءل مع القارئ الكريم: أليس تمجيد الدم، وتقديس بذله، دون تقييد ذلك بتحقيق مكاسب وطنية حقيقية ومؤكدة، يفقد الضحية صفتها تلك، ويضرب بقيمة الفرد ـ الإنسان عرض الحائط؟

إنها دعوة للنقاش وإثارة الأسئلة حول الذات والمصير.

mohammad.barhamuh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحرب لم تكن خيار يا أخي محمد برهومة.... راجع تاريخ الأحداث سنة واحدة فقط (فادي)

    الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009.
    هل نصدق أبو الغيط أم نصدق الحقائق؟ الهدنه إخترقتها إسرائيل بشكل مستمر و المزايدون كانوا ينتقدون حماس لأنها منعت الفصائل الأخرى بالقوة من إطلاق الصواريخ, كما أن إسرائيل لم تلتزم يا بطل بالهدنة و شددت الخناق و الحصار و كان الناس يموتون بسبب نقص الأدوية و أنا و انت نتفرج على التلفاز و نقول ياحسرة.
    العرب و المسلمون و أولهم الفلسطينيون قدموا آلاف بل الملايين من الشهداء.
    أسال سؤالك للجزائريين هل تقاوموا و يستشهد لكم "مليون" أم تستمر الجزائر كمقاطعة فرنسية؟ و الأمثلة كثيرة جدا من التاريخ البشري فكفى تصوير ما حدث و كأن الحرب كانت خيارا و ليس إجبارا, كفى.
    إقرؤا في الصحافة الأجنبية, إعلموا ما حصل بالضبط إقرؤا, إقرؤا, إقرؤا


    يا للأسف
  • »نحن في زمن اللمنطق (احمد)

    الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009.
    لا يستغرب الاخ الكاتب ان يتهمه الكثير بالتخاذل او حتى العمالة. فنحن الان في نشوة "النصر" الذي تحتفل به حماس في قطر وايران وليس في غزة صاحبة الجرح النازف. والله لن يغفر اهالي الشهداء والجرحى لحماس هذا الاستغلال المشين لصمودهم.
  • »الضحية والجلاد. إشكاليات لا تنتهي (منى القدومي)

    الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009.
    التقدير لمقالة الأستاذ محمد برهومة، وأظن أن موضوعة التضحية ضاربة في جنبات التجربة البشرية، فهناك اتجاه يميل إلى أن يكون ضحية لتحقيق مآرب خاصة فيمضي بشهوة التعذيب لا من أجل تحقيق أهداف واضحة بل ليقال عنه إنه ضحية، ويجلب قلوب البشر نحو قضيته( العادلة)
    إنه لزعم قاصر لأن تشييد أحلامنا في الحياة ليس نافذته الدم، وبذل مقومات الحياة، لأن الحضارات تستند في معمارها على مقومات ماديةرائدها العقل، وأساسها الرؤية الثاقبة.
    ذكر الكاتب تجربة الرسول الكريم الإستراتيجية وهي إشارة حكيمة، فالمتأمل لهذه الدعوة النهضويةيجد أنها واقعية غير غارقة في متاهات الوهم، مع أنها تجربة معززة بقوى إلهية، إلا أن العمل ومدارسة الواقع سر النجاح. من قال إن الشعوب المقهورة تستعذب الدم والاضطهاد؟
    من قال إنهم لا يحلمون في فجر تملؤه الفراشات ووتفتتحه زقزقات العصافير بدلا من صفرات الإنذار وتنفث فيهأأفاعي اللأباتشي والإف 16؟
    لماذا نصادر أشواق الصبايا والفتيان في أن ينام على حلم جميل يستدعون فيه حبيبة أخلفت موعدها أو حبيبة أخفقت في الوصول إلى حبيبها؟
    أسئلة تنثال على أديم الذاكرة ولا تنتهي.
    لعل نداء الراحل الكبيرمحمود درويش مازال خالداأننا نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
    من حقنا أن نلتحف اللون الأحمر دلالة عشق وهيام بدلا من أن نوشحه لشهيد أو شهيدة
    ليستقليلا لأرواح الشهداء فهؤلاء أقمار مضيئة في عتمتناالمقيمة
    إنما نرغب في اختراع الأمل ويكون الضحايا المفترضون وقود عمليات التغيير.
    من قال إن الشجاعة حب الموت وكراهية الحياة؟ من قال إن الحضارات تشاد بجماجم أبنائها.؟
    من زعم أن الدول تصنع مجدها بتضحيات قد تكون في أغلبها مجانية؟
    بعد أن انتهت حرب الإبادة على غزة نحن في حاجة لإعادة النظر في تحليل الحرب بموضوعية بعيداً عن عقلية التخوين والعمالة، فالجلاد والضحية يذهبان إلى أنهما انتصرا، إسرائيل تزعم أنها حققت أهدافها وزيادة، والأهل في غزة وعلى رأسهم حماس تذرى أنها صمدت في وجه آلة الحرب البربرية!
    ولكن ما أفدح الثمن! ذهب الشهداء إلى موتهم، والذين لم يموتوا بالفسفور ماتوا كمدا وألما على من ودعوهم من ذوي القربى، زيادة على ذلك جرح في النفس سيبقى مفتوحا إلى أمد بعيد!!
  • »كلفة الاستسلام غير محدودة ابدا، و رجاحة العقل تجلت في خيار المفاومة (إبراهيم محمد)

    الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009.
    يا خوي يا محمد برهومة ...
    أذكرك بأن المعركة فرضت على حماس و لم تبدأها حماس ...
    و الخيارات التي فرضت عليها كانت إما امقاومة أو الاستسلام.
    و لنكون صريحين فرجاحة العقل التي ذكرتها في سياق حرب غزة هي محض الاستسلام لأن العدو الصهيوني لا يهتم بآثار رجاحة العقل التقليدية ...
    و في رأيي فإن رجاحة العقل تجلت في قرار المقاومةالذي غير التاريخ و الأيام القادمة ستثبت صواب خيار المقاومة ...
    تخيل يا خوي يا محمد لو - لا سمح الله - استسلمت حماس !!!
    تلك كانت ستكون ضربة قاصمة للأمة العربية و الإسلامية ... و كانت ستفتح علينا بابا لمزيد من الهزائم و التنازلات .
    و أريد أن أؤكد أني بدعمي لخيار المقاومة فإني أؤكد على ضرورة وجود جهاز سياسي أيضا للمقاومة يتفاعل مع المحيط الإقليمي و الدولي على أساس النضال السياسي المقترن بالمقاومة المشروعة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية.