عقيدة "العماليق" في إسرائيل

تم نشره في الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

أصدر كبير حاخامات صفد، شموئيل إلياهو، تصريحا في أثناء الحرب الأخيرة في قطاع غزة، يقول فيه إنّ الحرب ضد "حماس" هي حرب ضد "العماليق"، مثل هذا التصريح قد يوضح كثيرا من جرائم الحرب الأخيرة في غزة.

قبل توضيح معنى هذا التصريح، تاريخيا وسياسيا وعسكريا، لا بد من التذكر أنّ شموئيل، هذا هو ابن مردخاي إلياهو، كبير حاخامات السفرديم (اليهود الشرقيين) السابق، الذي قال في آيار 2007 في رسالة أرسلها لرئيس الحكومة الإسرائيلية، ووزعت على نحو واسع في الكنس اليهودية في أنحاء فلسطين، إنّه "لا يوجد وازع أخلاقي يمنع قتل المدنيين في أثناء عملية واسعة في غزة تهدف إلى وقف إطلاق الصواريخ من هناك"، معتمدا في ذلك على نصوص توراتية اقتبسها للدلالة على أن "أخلاق الحرب اليهودية"، تعني أنّ مدينة كاملة تتحمل المسؤولية الجماعية للفعل غير الأخلاقي الذي يقوم به بعض أفرادها، وبالتالي فإن جميع من في غزة مسؤولون لأنهم لم يفعلوا شيئا لمنع صواريخ "القسام".

وقال شموئيل إنّه من المحرم المخاطرة بأرواح أهالي اليهود في البلدات التي تستهدفها الصواريخ أو المخاطرة بأرواح الجنود تجنبا لقتل الفلسطينيين غير المحاربين في غزة. ووقتها قال شموئيل إلياهو إنّ والده يعارض عملية برية في غزة، ويدعو بدل ذلك إلى "قصف سجادي" من الجو بغض النظر عن عدد من سيقتل من الفلسطينيين، وقال الحاخام الابن "إذا لم يتوقفوا بعد أن نقتل 100، يجب أن نقتل ألفا، وإذا لم يتوقفوا نقتل 10 آلاف، وإذا استمروا نقتل 100 ألف، وحتى مليونا، أو أي عدد حتى يتوقفوا"، إن جميع هذه الأفكار تستند لفكرة حرب "العماليق" (جيروزالم بوست 31/آيار/2007).

جيروزالم بوست، كشفت قبل أيام أنّ مشاركة الصهاينة المتدينين في حرب غزة كانت عالية، وقالت إنّ الأمر ليس مصادفة، فحتى ثمانينيات القرن الماضي كانت فرص الصهاينة المتدينين في التقدم لقيادة الجيش الإسرائيلي محدودة، حيث كان شباب هذه الشريحة ينخرطون في برنامج خاص للمتدينين يتضمن تخصيص وقت كبير نسبيا للتعليم الديني على حساب العسكري، وكان هذا يحد من فرصهم للترقي لرتب عليا في ميدان القتال، ولكن في عام 1988 بدأ نظام لتأسيس "أكاديميات دينية"، ينخرط الجندي المتدين فيها قبل انخراطه في الدراسة العسكرية. وتوجد الآن هناك نحو 12 أكاديمية من هذا النوع، والنتيجة أنّ الصهاينة المتدينين أصبحوا يتقدمون لمراتب عليا في الجيش، وأوجدت هذه الأكاديميات منظومة كاملة من الثقافة والأفكار للقتال على أساس ديني يبدو أنّ فكرة "العماليق" محورية فيها.

يلتقي هذا التغلغل الديني في ضباط الجيش الإسرائيلي مع اتجاه "المتدينين غير الصهاينة"، (الذين يرفضون من الناحية النظرية، تأسيس دولة إسرائيل قبل ظهور المسيح) إلى تبني مواقف سياسية صهيونية، ففي الفترة ذاتها تقريبا التي ظهرت فيها الأكاديميات الدينية العسكرية المذكورة ازداد حضور حركة اليهود الشرقيين "شاس" في الحياة السياسية لدرجة تحولها إلى قوة بين ثلاثة أكبر قوى سياسية إسرائيلية، واعتنت هذه الحركة في بداياتها بالتعليم الديني وقضايا الأحوال الشخصية، وكانت أقرب لقبول التسوية السلمية مع العرب، ولكنها تعارض الآن التسويات وتتبنى خطابا متطرفا ضد العرب.

هذا التقارب بين المتدينين من الصهاينة وغير الصهاينة يترافق مع حقيقة أنّ المتدينين يشكلون كتلا سكانية شبه متمايزة لها مؤسساتها وأحياؤها وقوانينها، إذ تبلغ نسبة اليهود الأرثوذكس الأصوليين في إسرائيل أقل من 10% ولكن نسبتهم في القدس وحدها نحو الثلث، ويتوقع ازدياد نسبتهم ليصبحوا الأغلبية بعد نحو 10 أعوام، هذا في موازاة 300 ألف يهودي علماني تركوا المدينة خلال العشرين عاماً الفائتة لأسباب منها استعصاء التفاهم مع الأصوليين.

"العماليق" (أو الذين يسمّون أحيانا باسم الجبارين) هي بحسب نصوص توراتية، قبيلة بدوية تقيم في سيناء، هاجمت بني إسرائيل في أثناء خروجهم من مصر، وبحسب هذه النصوص ستستمر الحرب حتى إبادة العماليق. وبينما كان حاخامات يهود في القرن الثامن عشر قالوا إنّ "العماليق" توزعوا في الأرض ولم يعد ممكنا تمييزهم وقتالهم، يحيي اليهود الأصوليون حاليا اعتقادا قديما أنّ أبناء العماليق توزعوا في الأرض وأصبحوا جزءا من الرومان، كما أن أبناءهم أسسوا المملكة النبطية وعاصمتها البتراء، وانتشروا في الجزيرة العربية ومناطق أخرى، وتم الإشارة إلى أنّ أعداء إسرائيل (ملة واحدة) أينما كانوا.

سيكون تغلغل هذه العقيدة وتفسيراتها المتطرفة متغيراً خطيراً في الصراع العربي الإسرائيلي، إذا ما واصل المتدينون الصهاينة صعودهم ضمن الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية وحركة المستوطنين، سواء على صعيد ردود فعل الجيش الإسرائيلي مستقبلا أو على صعيد تعطيل ورفض أي تسويات سياسية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اشهدوا أنني أدين بما يدين اليهود... (أيمن العمري)

    الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2009.
    نعم
    بما أن "نصوص توراتية اقتبسهاالحاخام للدلالة على أن "أخلاق الحرب اليهودية"، تعني أنّ مدينة كاملة تتحمل المسؤولية الجماعية للفعل غير الأخلاقي الذي يقوم به بعض أفرادها، وبالتالي فإن جميع من في العالم مسؤولون لأنهم لم يفعلوا شيئا لمنع صواريخ و قنابل أمريكامن تدمير البلاد والعباد.
    هكذا يريدون الآخرين "أن يدينوا بما يدين به هؤلاء اليهود في هذه النقطة بالذات".
  • »أتمنى وصول هذه المقالة لمن يراهن على السلام (البوريني)

    الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2009.
    المشكلة تكمن في الكيان الصهيوني بأن اليهود العرب أو كما يسمون (مزراحيم) هم فئة مرفوضة ومهملة في دولتهم ويعانون كافة أشكال العنصرية أما بالنسبة ليهود أوروبا من بولندا أو من روسيا مثلا تراهم الطبقة العليا!!!
    قل لي بالله عليك كيف يمكن العيش بسلام مع هذه الفئة (المغضوب عليهم) وكيف يتجرأ عربي كان او مسلم بمد اليد لمصافحة هؤلاء المجرمين بل وتقبيلهم.
    على هذا العدو أن يعلم بأن هنالك أمة تعدادها الميار والنصف مسلم على هذه البسيطة يتربصون بهم ويهدد أمنهم حتى يكفوا عن أعمالهم البربرية والوحشية.
    المبادرة العربية يجب أن تمزق وتحرق ونبدأ كعرب ومسلمين بمحاصرة هؤلاء الصهاينة ومقاطعتهم حتى يخرجوا وهم صاغرون.