محمد أبو رمان

كيف نقرأ المشهد في غزة؟

تم نشره في الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

كيف نقرأ المشهد في غزة اليوم؟..

هل يتمثل بحركة سياسية تصر على الزج بشعبها إلى أحضان الموت لأجل عيون إيران وسورية؟ أم قوة عسكرية محترفة تمتلك قدرات عسكرية وأمنية وسياسية هائلة قادرة على مواجهة آلة الدمار الإسرائيلية الدموية؟ أم شعب مؤمن بحقه في الحياة لكنه يساوي بينه وبين حقه في الحرية والكرامة الإنسانية، ومستعد لدفع الثمن كاملاً؟..

أسلوب صوغ السؤال يحدد طبيعة الجواب.

من يرى أنّ ما يحدث هو ضريبة يدفعها الغزيون لحسابات حماس السياسية ولارتباطها بالمحور الإيراني، يخوّن أغلبية الشعب الفلسطيني الذين اختاروا حماس، ويغلّب خلفيته السياسية والثقافية على الهم الوطني العام، ويقتطع تياراً واسعاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني يمتلك قاعدة اجتماعية عريضة.

وفي هذا الطرح خلط للأوراق وممارسة خداع سياسي وإعلامي. فحماس تدفع الثمن قبل أن يدفعه الغزيون من دماء أبنائها وشبابها، ودفعت كذلك بأرواح قياداتها التاريخية، وهي اليوم تزج بقياداتها السياسية والعسكرية إلى محرقة آلة الاغتيالات الإسرائيلية.

من يطرح هذا الطرح يقفز، ثانياً، على البديل؛ إذا كان الشعب الفلسطيني بين خيار الصبر والتضحية والالتزام التاريخي بعدم التفريط في حقوقه وحقوق أبنائه في ظل الاختلال الحالي في موازين القوى وبين خيار الاستسلام والركوع والتسليم لإسرائيل وشروطها المذلة في ظل حالة من التواطؤ أو العجز الرسمي العربي المذل، فأي الخيارين أفضل؟!

هذا لا يعني أنّ حماس مقدّسة لا يجوز نقدها أو الاقتراب منها، بل ثمة أخطاء استراتيجية كبيرة ارتكبتها وترتكبها الحركة، لكن الخلاف السياسي معها شيء واختزال المشهد في غزة بسياسات الحركة وتخوينها واتهامها جزافاً شيء آخر.

في المقابل، أحسب أن حركة حماس لا تدّعي أنها قوة عسكرية مدمّرة وتملك الرد الكافي على إسرائيل، وذلك على الرغم من خطاب بعض المؤيدين للحركة من سياسيين وإعلاميين، من يرفعون سقف التوقعات ويمارسون الأخطاء نفسها التي حدثت سابقاً في تضليل الرأي العام.

فما تملكه الحركة هو صواريخ محدودة الآثر مقارنة بالآلة العسكرية الإسرائيلية وكذلك روح فدائية بطولية وقدرات مشهودة لأبنائها في الاشتباك المسلّح مع القوات البرية الإسرائيلية.

بالتأكيد، لا يوجد ميزان قوى ولا توازن رعب، وقدرات الحركة في تنفيذ العمليات الاستشهادية في قلب الكيان الإسرائيلي تراجعت بصورة واضحة، فضلاً عن حصار جغرافي كامل من جيمع الجبهات، وتواطؤ دولي، وانقطاع الدعم اللوجستي، مما يجعل المقارنة مع حرب تموز 2006 ظلم شديد.

إذن، مرة أخرى، كيف نقرأ المشهد في غزة؟..

هو، باختصار، ملحمة إنسانية كبيرة ومشرّفة يقدّمها الشعب الفلسطيني دفاعاً عن كرامته وحريته في مواجهة عدوان بربري غاشم يستبيح كافة المحرمات الإنسانية.

هو ملحمة تسطر في التاريخ بماء النور، تُروى للأجيال القادمة عن صمود وشجاعة وقرار شعب بالتضحية في كل ما لديه دفاعاً عن أرضه ووطنه، بدلاً من الاستسلام والخضوع للاحتلال.

المسألة أكبر من حماس وتتجاوزها، هي محاولة فرض شروط واقعية إسرائيلية جديدة حتى على طاولة المفاوضات، بعد أن تنهي إسرائيل تماماً روح المقاومة الفلسطينية وتُخرج هذا الخيار من دائرة الحسابات الاستراتيجية بالكلية..

بعد ذلك من نلوم؟..

فحماس مهما اختلفنا معها، ومهما ارتكبت من أخطاء، تبقى حركة إسلامية وطنية مكافحة، اختارت التمسك - ولو سياسياً- بخيار المقاومة وإبقائه في الساحة..

اللوم أولاً وأخيراً يقع على النظام الرسمي العربي الذي ترك غزة تواجه هذا المصير، وتخوض هذه الملحمة التاريخية المشرّفة بصدرٍ عارٍ وقلب مؤمن، بينما هو يعجز عن استثمار هذه الملحمة سياسياً أو خوض حتى معركة دبلوماسية مشرّفة على أقل تقدير؟!

خطورة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يستمر في هذه اللحظة التاريخية المصيرية بإلقاء اللوم على حماس أنه أصبح جزءاً من الحرب النفسية الخطرة في تدمير الروح المعنوية لغزة ولحماس وللشعوب العربية.

ذلك الخطاب لا يخدم الآن إلاّ المشروع الإسرائيلي بفرض خياراته السياسية والعسكرية، وحتى الثقافية علينا جميعاً، فلا يبقى أمامنا لاحقاً إلا الاستسلام السريع أو البطيء؟!

نصر غزة اليوم يكمن في صبرها ومصابرتها ومرابطتها، برغم النزيف. أما مسيرات الشارع العربي ومظاهراته وحركاته فهي موقف سياسي ورسالة حيوية ستستمر ما دام العدوان، فهو موقف يعزز من روح الصمود لدى أبطال غزة، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من المعركة السياسية والإعلامية والحرب النفسية.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المطلوب مقاومة الحرب النفسية (عاصم الشهابي)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    أحي كاتب المقالة القدير محمد أبو رمضان على تقديمه صورة متكاملة عن حقيقة ما يجري في غزة، وأشاركه الرأي بأن هناك حرب نفسية واسعة ومتعددة الأشكال تحاول التأثير على رأي المواطن العربي، لتمنعه من الغضب والمشاركة بشجب العدوان والمحرقة التي تجري في غزة.
  • »صواريخ عبثية أفضل من جيوش نائمة (علاء يحيى)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    في رأيي الشخصي أن هذه الصواريخ والتي تسمى بالعبثية مع بساطة تأثيرها إلا أنها أفضل من الصواريخ والعتاد العسكري التي تتسلح بها الجيوش العربية وتكلف الاموال الطائلة وهدفها فقط هو التخزين في المستودعات حتي يتآكلها الصدأ فطلقة رصاص تطلق على المحتل الصهيوني خير من الف مدفع يستخدم فقط لغايات الاستعراض العسكري.
    والذين بتهمون حماس بأنها تطبق أجندة ايرانية نسألهم اين هي الاجندة العربية التي تقف في وجه المشروع الصهيوني في المنطقة
  • »لات حين عتاب .. وحان التضامن (محمد عبد السلام)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    أوافق على أن حركة حماس لا ُيلقى عليها اللوم فيما يحدث، مع أنها ارتكبت أخطاءا في اطلاق صواريخ غير مجدية وما كان لها تأثير إلا أنها منحت الكيان العنصري المتربص وجهة نظر ومبررات لا تحترم لممار سة عدوانيتها ووحشيتها، وتحويل مسارات التفاوض لفرض شروط جديدة، لكن لا لوم على حماس يجب أن نحمله في هذا الوقت لها، إذ لات حين عتاب.

    وفيما يتعلق بالموقف الرسمي العربي، فيجب أن يكون أكثر تضامنا مع أهلنا في غزة، ومن خيارات هذا التضامن قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية والتفاوضية مع هذا الكيان العنصري؛ حيث لن يحدث آثار سلبية بهذا الخيار التضامني أكثر مما يحدث في غزة، أو حتى مشابه له؛ وهذا الخيار التضامني الوحيد الحقيقي، وهو كما الصوم فيه شعور مع الفقير، وكالصدقة والزكاة. وقد يكون في هذا الخيار آثار سلبية على الكيان العنصري أشد وطأة مما سيحدث لمليار مسلم، إن أصروا في المضي بمقاطعة اسرائيل.

    وأظن أن من أسباب ممارسة اسرائيل هذا القتل والوحشية عائد، لعدم شعورها بالأمن، وأقصد هنا الأمن الداخلي، إذ إنها كيان مصطنع غير قابل للاستمرار في الحياة، وشعورها هذا المشوه - مثل أفعالها-، يفاقم من عدوانيتها ووحشيتها.
  • »حماس هي الأساس (البوريني)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    الى كل المعلقين مرورا بالدكتور وبانا والجعبري أقول:
    بإذن الله القسام وسرايا القدس وكل فصائل المقاومة ستبقى صامدة ولن تموت.
  • »صواريخ حماس الوهمية لم تقتل حتى بقرة !!!! (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    من يمتلك صواريخ وهمية لا تهدم بيتا واحدا على بكرةأبيه ، ولم تؤذي الشعب الأسرائيي سوى الذهاب الى المخابيء فيجب الأ يستعرض عضلاته الكرتونية وهو يعلم أن لأسرائيل طيران فريد من نوعه وبأمكانه بأن يهدم غزة كلها ويفني شعبها بأكمله
    الآ اللهم اذاكان له دورا مدروسا من امريكا واسرائيل لتميع القضية ، وتحضير الشعب الفلسطيني الى الهجرة لتبقى الأرض الفلسطيمية للأسرائيلين..
    أنا أخون كل من القيادتين السلطة الفلسطينية اصحاب الدكاكين ، الذين نهبوامقدرات الشعب المسكين وحماس التي تعمل بايعاز من اسرائيل لعرقلة المفاوضات
    ستبدي لنا الأيام بأن كل من فتح وحماس يعملان لصالح مصدرا واحدا
    وهو العدو..
    أن مقاومة أولاد الحجارة والأنتفاضتان اللتان اشعلاها قد أدت مفعولا ايجابيا مئات المرات مما تقوم به فتح وحماس
    فألوف الشهداء والجرحى في غزة هم من مسؤلي حماس وصواريخهم الوهمية ..المقاومة الشريفة هي ما قام به حزب الله في لبنان الذي وقف خصما قويا ضد اسرائيل وألحق بهم وبمعداتهم الحديثة خسائرا فادحة وطردوا العدو من الأراضي اللبنانية التي كانوا يريدون أن يستحلوا جنوب لبنان .
  • »أهداف حماس من العمل السياسي (وليد الجعبري)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    برأيي الشخصي خطأاعتبار أن كل أخطاء وخطايا حماس تحظى بالضرورة بدعم جميع الأفراد الذي قاموا بانتخابها وأن أي نقد للحركة يعتبر نقدا للذين انتخبوها وتخوينا لهم.

    فهذه الحرب التي تدرعت فيها حماس بغزة ، تحظى بالدعم الايراني السوري (المعنوي الكلامي فقط) ليست اكثر من محاولة ضغط على حكام اسرائيل ومصر من اجل اجباره احدهم او كلاهما على فتح معابر الحدودية وبالتالي الحفاظ على مكتسبات الانقلاب وتعزيزها لأن غزة مهددة اقتصاديا بالاختناق بسبب الاغلاق المزدوج من قبل مصر واسرائيل .

    أهداف حماس من العمل السياسي هي ذاتية وليست موضوعية وهنا تكمن أم المصائب على سبيل المثال جميع اهل الضفة وغزة يعرفون اي مساعدات تأتي للشعب الفلسطيني من الخارج عن طريق حماس يتم توزيعها على الحمساويين فحسب وليس على جميع الفلسطينيين.

    خذ عندك هذا المثال الصارخ ايضا

    في بداية تسلم حماس للسلطة ، تسببت مواقفها الرافضة بالإعتراف بإسرائيل وكل الاتفاقيات التي سبق ووقعتها منظمة التحرير والحكومات الفلسطينية السابقة بتجويع الشعب الفلسطيني وإفقاره وقطع الرواتب عن مئات آلاف الفلسطينيين لمدة 10 شهور ووصول الاقتصاد الفلسطيني الحكومي والفردي الأسري إلى مستوى من الإفلاس وتآكل المدخرات لا يمكن احتماله ، نتيجة توقف المساعدات المالية من الغرب والشرق.

    لكن المدهش هي أنه وبعد ان قاموا بالإنقلاب المسلح في إقليم غزة وقتلوا وجرحوا الآلاف من رجال الشرطة ومنتسبي حركة فتح (شركاؤهم بحكومة الوحدة الوطنية) ، فوجئ الفلسطينيون أن عشرات الآلاف من المحسوبين على الحركة سواء كانوا في الميليشيات أم في المؤسسات الحكومية المدنية المدنية التي طردوا موظفيها وعينوا محلهم اناس محسوبون عليهم يقبضون رواتبهم بانتظام منذ اليوم الاول للانقلاب وحتى الان !!! يعني الجماعة كان معهم فلوس طوال هذا الوقت الذي كان الموظفون الفلسطينيون وكل الذين يعيشون على الاعانات الحكومية يبيعون عفش بيوتهم كي يؤمنوا لقمة العيش
  • »ضريبة الوقوف والصمت (بانا السائح)

    الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009.
    أخي الكاتب ماذا لو قرأنا المشهد في غزة من منظور آخر بعيد عن السياسة و الاقرب من الانسانية التي يحرم منها أبناء غزة؟ ماذا لو وضعنا الانتماءات السياسية و الفصائلية جانبا و نظرنا الى ما آلت اليه غزة في هذا الوقت؟ هل نستطيع أن نقول أن ما يحدث في غزة هو نصر أم انكسار؟ لليوم السادس على التوالي و قلوبنا تنزف و عيوننا تبكي لما نراه على مدار الساعة من جرائم لا يمكن تصنيفها بأقل من ابادة لشعب كان يطالب العالم بفك الحصار عنه لأكثر من عامين و رفع الظلم عن أبناءه الذين ولدوا على تراب القطاع المحتل. الذي يحدث اليوم في غزة ما هو الاّ ضريبة باهظة جدا يدفعها أبناءه على اختلاف انتماءاتهم السياسية. لأكثر من عامين و نحن نشهد التدهور المتواصل للحالة و الوضع الانساني في القطاع و كان الحل الاقليمي العربي أن أصدر في قمته العربية دعوة للفصائل المتناحرة بالعودة الى الحوار الوطني و حل خلافاتهم و انتهت القمة و غادر المسؤولين الي ديارهم و أبناء غزة لم يرفع عنهم الحصار بل زاد الاحتلال من قبضته على القطاع!! لا أريد أن ادخل في المهاترات الفصائلية التي اشتدت بين رام الله و غزة و لكن ما أود أن انوه له أن الجميع كان ينظر الى التدهور الواقع في القطاع و احتاروا الصمت و المشاهدة على حل النزاع و التدخل من نافذة انسانية لحماية أجيال تموت دون وجه حق و أخرى تختار الموت السريع. بصراحة و أسف كبير ان ما يجري في غزة ما هو الاّ نتيجة اخفاقات الجميع من الوقوف وقفة حق من أجل حماية كرامة أبناء غزة..اخفاقات ممزوجة يأجندات سياسية تفتقد للمنظور و الحس الانساني الذي ينتفض لقسوة الحياة التي يعيشها أبناء القطاع الحزين..و كما صرخت تلك المرأة التي فقدت أبناءها في أحدى الغارات الغاشمة "ما ذبنا لنقتل هكذا؟ ....لنا رب كبير ليحمينا"! و أعتقد أنها صدقت فبعد أكثر من ستة أيام و نحن لا نرى سوى الكلمات.