جهاد المحيسن

القتل في غزة تحكمه قيم العالم الحر!

تم نشره في الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

في غمرة دعمنا ومؤازرتنا للأهل في غزة ضد العدوان الهمجي، من خلال التمترس وراء شاشات التلفزة والتقليب بين المحطات الفضائية جالسين تماما مثل أكياس الملح. نلتهم في بيوتنا الآمنة والدافئة الأطعمة والشراب، نكون قد وقفنا وقفة باسلة لمواجهة العدوان الهمجي على غزة. وأثناء التقليب بين الشاشات لفت انتباهي تصريحات "جولدا دمائير الجديدة" تسيبي لفني" وزيرة خارجية العدو، وهي تدافع في تصريحات لها عن العمليات العسكرية التي تشنها طائرات الاحتلال في قطاع غزة، بالقول إنها تأتي في سياق الدفاع عن قيم العالم الحر وان "الحرب على الإرهاب" ضرورية في قطاع غزة من أجل الحفاظ على تلك القيم!

هذه الصورة من صور الخطاب الذي يدافع عن قيم العالم الحر قد شهدنا مثلها في كثير من المذابح التي تمت في العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين في نفس سياق الخطاب. فالولايات المتحدة التي حمّلت نفسها مهمةَ التبشير بقيم العالم الحر عبر تصديرها من خلال النموذج الأميركي من خلال ما بات يُعرَف بالسلام المفروض بالقوة العسكرية، فكانت القوة العسكرية صفة ملازمة للسياسة الأميركية الراهنة المبررة للقتل لتمكين تلك القيم الحرة في العالم غير الحر!

من هنا تبرز الحاجة إلى التأكيد على أن ما يجري في غزة وسائر فلسطين، بل وكل جزء من هذا العالم يؤمن بأنّ المقاومة هي السبيل الوحيد للخروج من سيطرة قيم العالم الحر التي قدمت لنا عبر قصف الطائرات للآمنين في بيوتهم. فتلك القيم التي يتحدثون عنها؛ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان يتم استدعاؤها وتطبيقها فيما يختص بقضايا الغرب ومصالحه فقط، كما لو أن ما يُسمّى منظومة القيم الغربية لا تجد مجالاً للتطبيق في مكان آخر، لذلك وعلى الرغم من الادعاء بعالميتها والعمل على فرضها بشتى الطرق المرنة أو الصلبة، فكثيراً ما تستر العدوان على أمتنا وراء ديكور الديمقراطية، وتنكرت أحياناً أخرى بأقنعة الحرية الفكرية، وحرية التعبير وقِيَم التحضر والتمدين والتحديث.

من هنا تفهم تصريحات وزيرة خارجية العدو الإسرائيلي، فهي تأتي في سياق منظومة لا قيمية تبرر العدوان وتجعل من سفك الدم وسيلة أخلاقية لتحقيق أهداف يرون أنها تحقق ديمومة واستمرارية الكيان الصهيوني، وهي في المحصلة النهائية لا تتعارض مع منظومة قيم العالم الحر الذي يبيح القتل والسلب طالما أن تلك القيم تخدم مصالح الطرف المعتدي.

من المثير للشفقة في واقعنا السياسي العربي طلب وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير من العالم الحر التدخل لوقف العدوان على غزة، ما يعني أن هنالك وهما تاريخيا لدى الساسة عندنا عندما يعتقدون انه من الممكن أن (تضغط أميركا أو أوروبا على إسرائيل) من اجل وقف العدوان، فالولايات المتحدة أعلنت موقفها المنحاز إلى جانب أعداء الإنسانية، بينما نحن نقف في الجهة الأخرى في صف لا يمكن أن يسمى إلا بعدم الانحياز أصلا نحو ما يجري من قتل وتدمير في غزة.

فهل من المعقول أن نرى الأشلاء تتطاير من الأجساد الطاهرة لجواهر ودينا وسمر وإكرام وتحرير، اللواتي تتراوح أعمارهن بين الرابعة والسابعة عشرة وهن في فراشهن في الغارة التي استهدفت مسجد "عماد عقل" الملاصق لبيتهم، ثم نطلب من الغرب، وهو يحمل القيم التي تتحدث عنها ليفني أن يقف عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص وقفة أخلاقية لما يجري في غزة؟ ونحن على الحياد واقفون، ننتظر من القيم التي تبيح الذبح بدم بارد أن توقف ما يجري من شلال للدم هناك؟!

Jihad.almheisen @ alghad.jo

التعليق