محمد أبو رمان

مصادر "التهديد الأمني".. قراءة جديدة

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

ثمة مؤشرات عديدة تدفع إلى الاعتقاد بأنّ هنالك تحولاً رسمياً ملحوظاً ونوعياً يتشكل حالياً في مواجهة مصادر تهديد الأمن الوطني وتحدياته، داخلياً وخارجياً.

تكمن أسباب رئيسة وراء هذا التحول في مقدمتها متغيرات إقليمية ودولية، وبالضرورة داخلية، برزت جميعها خلال الأشهر القليلة الماضية، فقلبت حسابات الدول والحكومات رأساً على عقب في كثير من الملفات الحيوية.

على صعيد التهديد الخارجي؛ يتمثل التحدي الرئيس اليوم بفشل العملية السلمية وصعود أصوات وتوجهات متعددة تطالب بحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن أو من خلاله.

هذا السيناريو بمثابة "خط أحمر" غير مقبول، وله تداعياته المحلية الحساسة، كما تمّ الإعلان رسمياً وعلى أعلى المستويات. ولا تتردد أصوات قريبة من الدولة والمؤسسة الرسمية في الإعلان صراحةً أنّ الأردن لن يقبل بأي حال من الأحوال بذلك، مهما كانت الكلفة السياسية كبيرة.

قصة "الوطن البديل" (أو "الحل الأردني") كانت دوماً هاجساً وطنياً بامتياز. إلاّ أنّ المرحلة الحالية، تحديداً، تشهد درجة غير مسبوقة من رفع الصوت الأردني بوضوح، والإصرار على رفض ذلك السيناريو، ومقاومته رسمياً وشعبياً.

بالعودة قليلاً إلى الوراء، فإنّ هذا الإدراك يتباين، بل ويختلف، عمّا ساد في المرحلة السابقة، بخاصة في الفترة الأخيرة من ولاية بوش، وصعود حدة الاستقطاب الإقليمي. إذ تبدّت مصادر التهديد الأمني الرئيسة حينذاك بإيران ومحورها، بما في ذلك حماس، ما انعكس على المعادلة السياسية الداخلية وتحديداً في العلاقة مع الإسلاميين.

بالتزامن مثّلت "قاعدة العراق"، خلال تلك المرحلة، مصدر تهديد مباشر للأمن الوطني الأردني، لكنها تراجعت كثيراً في الشهور الماضية، ولم تعد رقماً صعباً حتى على صعيد الأمن القومي العراقي.

على المستوى الداخلي، ما تزال الصورة غير واضحة تماماً، وإن كانت مؤشرات مهمة تشي باتساع دائرة التفكير الاستراتيجي بمصادر تهديد الأمن الوطني والسلامة العامة، لتشمل بصورة رئيسة الأمن الاقتصادي- الاجتماعي.

هذا التحول يرتبط، بلا شك، بإعادة تشكيل "مطبخ القرار"، وإحلال النخبة المحسوبة على "الليبرالية الوطنية" (الاجتماعية) محل "الليبراليين الجدد"، الذين قادوا البرنامج الاقتصادي خلال المرحلة السابقة. فيما يتوقع أن يخرج بالتعديل الوزاري من تبقى منهم في دائرة الإدارة الحكومية العامة.

العنوان الرئيس لليبرالية الوطنية يتمثل بـ"الطريق الثالث"، والالتزام ببرنامج إصلاح اقتصادي يراعي المجال الاجتماعي، ويضمن دوراً رئيساً للدولة في حماية الطبقتين الوسطى والفقيرة. وإن كان البرنامج الجديد لم يأخذ بعد صيغته المعلنة، لكن من المتوقع أن يحدث ذلك مع قدوم "مطبخ اقتصادي" جديد يمثل المدرسة الرسمية اليوم.

المفارقة تبدو أنّ هنالك إدراكاً رسمياً جديداً، يتشكّل حالياً، ينظر إلى إصرار القطاع الخاص على الربح وتجاهله المصلحة العامة باعتباره مصدر تهديد لـ"السلامة الوطنية" العامة، وأنه يضر في المحصلة بالتوازن الاجتماعي والأمن الوطني.

وثمة دعوات معلنة حاليا إلى عودة "وزارة التموين" أو استعادة حق الدولة في الحدّ من ارتفاع الأسعار، بخاصة السلع الأساسية، وإلى ردّ الاعتبار للقطاع العام وترشيقه وتطويره باعتباره أولية حيوية. مع تأكيد العديد من "التسريبات" أنّ التعديل القادم سيؤدي إلى وجود وزارة "الاقتصاد الوطني".

بلا شك، فإنّ هذا التطور النوعي والكبير، وإن كان يمثل توجه النخبة "الليبرالية الوطنية" من جهة، فإنه يعكس -من زاوية أخرى- تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على برنامج الإصلاح الداخلي الأردني، وتراجع الأفكار الليبرالية المتطرفة التي تصور الدولة باعتبارها شركة تجارية، ولا تقيم وزناً للاعتبارات الاجتماعية والتوازنات السياسية الداخلية.

الملحوظة المهمة أنّ الإدراك الرسمي الجديد يأخذ بالاعتبار الآثار الكارثية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي بصيغته المتطرفة على الطبقات الفقيرة والمهمشة، وعلى إضعاف الطبقة الوسطى بخاصة في مؤسسات الدولة، ما يؤدي إلى بروز جيوب الفقر والحرمان، وصعود حركات "الاحتجاج الاجتماعي"، كالمجموعات الإسلامية المتطرفة، أو حتى انتشار المخدرات، والجريمة المنظمة، بسبب هذه الظروف الاقتصادية، وانبثاق أزمة المركز والأطراف بصورة غير مسبوقة محلياً.

هذه القراءة تتوازى مع "تسريبات" أخرى عن تَشكُّلِ إدراكٍ سياسي بضرورة المضي قُدُماً في مشروع "الإصلاح السياسي"، لكن وفق أجندة وطنية، تتعاطى مع مصادر التهديد الداخلي والخارجي، والتوازنات السياسية- الاجتماعية الحساسة، وتبني توافقاً سياسياً حول العديد من الملفات، في مقدمتها قانون انتخاب جديد، يُعلن عنه خلال الأشهر المقبلة.

إذا اقترب هذا "التحليل" مما يدور فعلاً في أروقة دوائر التفكير الرسمي؛ فنحن بالفعل أمام تحولات نوعية سِمتُها الرئيسة انسجام كبير بين السياسات الرسمية وبين الاتجاهات الكبرى للرأي العام المحلي.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مصادر التهديد (المهندس سليمان عبيدات)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    اخ محمد
    اشكرك على هذا التحليل الواقعي والمنطقي لما يجري على الساحة الاردنية، حيث تبنى حزب الجبهة الاردنية الموحدة هذا الخط وطالب فية ونتفق انة الحل الامثل
  • »الواسطة و المحسوبية هما مصدر التهديد الحقيقي (بانا السائح)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    عزيزي الكاتب أن مصدر التهديد الداخلي باختصار هو وجود الواسطة و تفشي الفساد الذي نلمسه في القطاع الحكومي. لا اريد الخوض كثيرا في قضية الوطن البديل لأنني على قناعة مطلقة ان المناديين لهذا المبدأ لا يتعدوا كونهم مرتزقة و تغيب عن وجدانهم أن الاردن و فلسطين هما دولتان لشعبين و الاغلبية المطلقة من الشعبين يرغبان بوجود و الحفاظ على علاقات متميزة لما يربط هذين الشعبين من روابط اجتماعية متينة. بالنسبة للتهديد الداخلي و التفاؤل الذي يبدو عليك من حيث احساسك أن الامور تسير نحو الافضل من حبث الادراك السياسي للاصلاح الاقتصادي و غيره, أعتقد و بكل صراحة أن أخطر تهديد داخلي للوطن هو عدم وجود الفرص الملائمة للمواطن و العمل على اساس القوة الاجتماعية و العشائرية بدلا من القوة المهنية. عزيزي الكاتب, كيف يمكن أن نصل الى اصلاح سياسي و نحن نشهد أن ميزان القوى لا يزال يميل و بقوة باتجاه الواسطة و المحسوبية؟ الا تعتقد أن الغوص في الاعماق و وضع اليد على الجرح النازف هو بداية الحل للمشكلة بدلا من بذل و اهدار الطاقات لتجميل الواقع؟ ان الواقع الحالي يشير الى اننا نسير في اتجاه مصر الشقيقة من حيث الواسطة و التي تكون كفيلة لقتل روح المبادرة و المنافسة عند الشباب. اليس هذا اكبر تهديد لوطننا؟؟
  • »منافقون وإنتهازيون والسلام (عيد ماضي)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    الى كل من ساهموا في صياغة سياسة التطبيع الخرقاء مع إسرائيل بدون وضع شروط تجبر إسرائيل على عودة اللاجئين نقول لهم هنيئا لكم ولقصر نظركم. وضعتم مصالحكم فوق مصالح الوطن والإنسانية. الآن على البقية منا ان نقوم بسؤولية تنظيف قاذوراتكم بعض ان قبضتوا العقود والمنح على حساب الأردن .الصغير قبل الكبير كان يعلم ان التطبيع يضر بمصلحة الأردن العليا طالما لم تلتزم إسرائيل بعودة اللاجئين. ولكن الفلوس تعمي النفوس. فوالله إن سمعت واحد من جماعة التطبيع يعطينا محاضرات عن المصلحة العليا والوطنية ل &@# في وجهه.
  • »النظام التعليمي وواسطة البعثات الخارجية هما المشكلة (شهيرة سائد)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    اصرار القطاع الخاص على الربح هو أهم خدمة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية يقدمها القطاع الخاص، لأن ذلك يعني دفع ضرائب للدولة وتدريب العاملين وتأهيلهم للانتاج والقضاء على الواسطة وبقية أمراض القطاع العام. المشكلة هي في نظام التعليم المحلي الذي ينتج خريجين غير مؤهلين ليجدوا أنفسهم في القطاع العام فيفقروا، بينما خريجو الجامعات الأمريكية والبريطانية والاسترالية وبقية العالم الأول يتبؤاون المناصب في القطاع الخاص فيصبحوا طبقة وسطى وغنية. طبعاً هناك محسوبية الذين يحصلون على بعثات (كتبادل ثقافي وغيره) في جامعات الدول المتقدمة، وهؤلاء محظوظون بالواسطة والعلاقات الاجتماعية العائلية والسياسية في كثير من الأحيان.
  • »معظم الدول العربية أحجار شطرنج ولبيسوا صانعي قرار (د. عبدالله عقروق\فلوريدا)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    المتورطون في الوطن البديل هم مؤسسات أردنية مئة في المئة ..ولا علاقة البته لأي فلسطيني في الداخل والخارج الآ اذا كان يعمل لأحدى هذه المؤسسات يمكنه أن يطالب بأن يكون الاردن الوطن البديل ...لقد انتهت هذه القصة وأستغرب لماذا عدت وأثرنها..فهل طلب منك ذلك أم تطوعت لتقل ما قلته ؟؟؟
    من اين تأتي بالمعلومات بأن الاردن سيشهد تغيرا في الداخل والخارج ..الداخل فهنالك لا يوجد حكومة ..عندنا في الأردن حكومة صالونات محلية مصنفة 6 نجوم .التغير يأتي من خطط التنمية ..اين هي الخطط؟؟
    أما التغيرات الخارجية فالآردن ملزم لتنفيذها وبدون نقاش ما تفرضه علينا الكونداليزية الطرية شيئنا أم أبينا
    نحن لسنا بحاجة الى طابور خامس يا ايها الصحفي الشاب ابو رمان.. معظمنا أحجار شطرنج ، ولسنا صانعي قرار