محمد أبو رمان

ردّ الاعتبار لمحمد العشا

تم نشره في الخميس 18 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

من حق أسرة الطبيب الأردني المبدع، محمد العشّا، أن تفرح وتحتفل بتبرئة القضاء البريطاني لابنها مما عُرف بقضية "شبكة الأطباء"، بعد إحباط التفجيرات في لندن وغلاسكو.

ما يزيد على عام كامل أمضاه محمد في غياهب السجون، فيما عاشت أسرته وأسرة زوجته أياماً عصيبة. وتسببت قضيته لهذه الأسرة بمعاناة إنسانية كبيرة. فيما صُدم الرأي العام الأردني بالزج بهذا الشاب المبدع في القضية والإساءة له ولسمعته.

منذ الأيام الأولى للقضية كان واضحاً أنّ هنالك علامات استفهام كبيرة عليها، مع وجود ثغرات واضحة في الرواية الأمنية والقانونية البريطانية بخصوص دور محمد. وبرغم ذلك فاجأنا القضاء البريطاني بسجن محمد وإدانته مبدئياً، قبل أن يعود مؤخراً لتبرئة ساحته وذمته من القضية.

كتبتُ، شخصياً، قبل عام، ومن خلال خبرتي بهذه الجماعات والمجموعات، بأنّ  القراءات والمعطيات كافة تدلّ أنّ هنالك "مشكلة" حقيقية في القبول المنطقي للرواية البريطانية، تحديداً ما يتعلق بالسيرة الشخصية لمحمد، وذكرت أنني لا أريد المجازفة بربط القضية بتغير الحكومة البريطانية وخشية أجهزة الأمن البريطانية من توجه الحكومة الجديدة (آنذاك) برئاسة غوردون براون إلى إنهاء لعبة "الحرب على الإرهاب"، والتحول نحو سياسات جديدة.

أخيراً، وبرغم المرارة الكبيرة والمعاناة الطويلة نفسياً ومالياً لمحمد وأسرته، فإنّ القضاء البريطاني ردّ الاعتبار لهيبته أخيراً، وردّ الاعتبار كذلك لمحمد وأسرته.

للأسف فإنّ زملاء، كتابا وصحافيين عربا كبارا ومعروفين تعجّلوا، حينها، بإصدار حكم الإدانة على محمد ورفاقه بالجملة، فاستبقوا حتى الرواية القانونية والأمنية البريطانية، وأخذوا يربطون بين مهنة الطب وبين القيام بهذه العمليات، فيما انهالت الصحف الانجليزية بالاتهامات والتجريح بحق هؤلاء الأطباء، ولعلّ المثال البارز صحيفة التايمز المشهورة إذ صدّرت تلك الأيام عنوانها الرئيس بـ"المداوي هو القاتل".

في المقابل، فإنّ الرأي العام الأردني، وحتى نخبة من أصحاب القرار، وفي مقدمتهم وزير الخارجية السابق عبدالإله الخطيب، (كما أكد لي سابقاً والد العشّا)، تعاطفوا معه وآمنوا ببراءته من تلك التهمة، وقدّموا دعماً معنوياً جيداً لأهله.

اليوم، يمثِّل عهد الرئيس أوباما والإعلان عن النية في إغلاق معتقل غوانتنامو لحظة رمزية لنهاية حقبة "الحرب على الإرهاب" التي دشنها المحافظون الجدد وحلفاؤهم من الحكومات الغربية، فاستباحوا المحرمات القانونية والإنسانية. ولعلّ الإفراج عن الطبيب العشّا هو أحد مؤشرات مرحلة جديدة تمثل إنهاء العديد من الملفات المرتبكة والرمادية.

والمؤمل أن يتبعه الإفراج عن عشرات، وربما مئات العرب، المعتقلين ظلماً وجوراً في سجون الولايات المتحدة وحلفائها بداعي الشبهة أو خطأ استخباري من الأخطاء المتكرر المكلفة خلال السنوات الأخيرة.

فالجهد الذي سيبذله الرئيس أوباما سيتمثل في إطفاء الحرائق التي أشعلتها إدارة الرئيس بوش، هنا وهناك، والعودة إلى المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية بدلاً من المدرسة الثقافية- الأيديولوجية المتطرفة التي تبنّاها بوش وحلفاؤه في أميركا وخارجها.

الأردن، رسمياً وشعبياً، معني اليوم برد الاعتبار لابنه الطبيب المتميز المتفوق، وتكريمه في وطنه، بعد هذا الظلم الجائر الذي تعرّض له. فالعشّا نموذج أردني متميز يستحق الاحتفاء والاعتزاز به، ويمثل في سيرته وتفوقه ومثابرته قدوة لجيل الشباب الطامح إلى نيل الدرجات العلمية والتفوق في المجال المعرفي والمنهي، وهو ما نحتاج إلى تعزيزه في فضائنا الاجتماعي اليوم.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العجلة في إطلاق الأحكام معضلة مزمنة في الصحافة (هشام غانم)

    الخميس 18 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    أشكر الكاتب محمّد أبو رمّان على هذا المقال الممتاز والرائع. والواقع أنّ مشكلة العجلة أو التسرّع في إطلاق الأحكام والإدانات، لم ولا تقتصر على قضيّة الطبيب الأردنيّ محمّد العشا؛ بل تمتد إلى معظم القضايا والحوادث. فمعظم الكتابات الشائعة في العالم العربيّ "تتميّز" بالانطباعيّة والاعتماد على "النفس" وأهوائها وغواياتها في الكتابة. ولذا نادراً ما نرى كتابة تحتوي معلومات جديدة أو أفكاراً لم تُطرق مِنْ قبل.

    فالغالبيّة يحبّون أنْ تظهر أسماؤهم في الصحف حتّّى لو لم يكن لديهم ما يقولونه. فأسماؤهم العظيمة تشفع لهم ولأقوالهم. ولسان حال واحدهم يقول: "لمّا كنتُ أنا ذا اسم عظيم، معروف ومشهور، شفع لي ذلك بقول أيّ شيء عن كلّ شيء؛ وكفى باسمي شفيعاً".

    والطريف في مُطلقي الأحكام والإدانات مِنْ أهل الصحافة، هو أنّهم ينسون أنّ دور الصحافة يختلف عن دور المحاكم والشرطة. وحتّى لو ثبت الحكم على شخص أو جهة ما، فليست وظيفة الصحافة إلّا نقل خبر الحادث وتحليل جوانبه وتعليل حصوله.
  • »طبيب متميز (د.عمر دهيمات)

    الخميس 18 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    أتمنى على الجهات العلمية إستغلال قدرات الطبيب محمد وإعطائه كافة الفرص المستحقة لإثبات نفسه كطبيب متميز وان لا تعامله المؤسسات الطبية سواء في الاردن أو الخارج كشخص مشبوه.كلنا نتمنى له تحصيل أعلى الشهادات لخدمة بلده وأمته ومرضاه.