محمد أبو رمان

في مكة.. ترتوي الأرواح

تم نشره في الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

 مكة المكرمة- جبل عرفة

تقشعر قلوب مئات الملايين من البشر، وهم يشاهدون (عبر التلفاز) حجيج بيت الله الحرhم يطوفون بالكعبة ويؤدون مناسك الحج، يغبطهم على ذلك من جهدوا ما باستطاعتهم ليزوروا البيت مرة أخرى، لكن الله لم يقدر لهم ذلك هذا العام.

حتى أولئك الذين حجّوا في الأعوام السابقة، فإنّ "نداء الروح" يلحّ عليهم كي يعودوا إلى الحج مرة ومرات.

أمّا مشهد الحرم، بمرأى العين، فهو سرّ من أسرار الله في البشر والكون.. لا يملك القلب أمامه إلا الخشوع، والخروج، ولو قليلاً، من سطوة الدنيا وهيمنتها عليه.

في البيت الحرام "صور إنسانية" تخلع القلب من مكانه، وتحرك الجبال الصمّاء.

تلك المرأة العجوز غير القادرة على الوقوف، وابنها يطوف بها، ويسعى، بينما تجأر إلى الله بالدعاء والبكاء.

آلاف البشر يتضرعون إلى الله، ويقرؤون القرآن، فيما مئات الآلاف يطوفون حول الكعبة في وقت واحد، في طوابق الحرم الثلاثة وساحاته، يرتدون ثياب الإحرام، يرفعون أيديهم إلى السماء يخاطبون الله بالدعاء والرجاء والمحبة.

إنّها مكّة، حيث ترتوي الأرواح من ماء السماء، وتغتسل قلوب ملايين البشر بالبكاء والدعاء والخشوع والتأمل والالتجاء إلى الله.

للروح لغة واحدة تسمعها وتقرأها في مكة، عند بيت الله العتيق، مهما تعددت اللغات واللهجات والثقافات والأجناس والأعراق.

أمّا على جبل عرفة فإنّك أمام مشهد لا مثيل له في المعمورة، تتبدى رمزيته في احتشاد معاني الكون والحياة على صعيد واحد في ساعات معدودة.

على جبل عرفة، تشتبك السماء بالأرض. وبرغم محدودية المكان تتبدى آفاق الكون والزمان ليستعيد الإنسان فلسفة الوجود، بعد أن تختفي المسافة الفاصلة بين الحياة والموت والآخرة.

ملايين الحجاج في مكان واحد يرتدون ثياباً بيضاء، وقد تلبسوا ثياب الآخرة، ينظرون إلى السماء، متجردين من ملابس الدنيا وحطامها وزينتها، وقد خلعوا همومها، فزالت الحواجز والحدود والفوارق بين الأغنياء والفقراء، بين المسؤولين والموظفين، بين الوزراء والمرؤوسين، بين الأجناس كافة والمذاهب واللغات.

على جبل عرفة يستعيد الإنسان إنسانيته ويسترد شيئاً من روحه المهدورة في حمأة الحياة، وتتجسّد أمام ناظريه حقيقة الدنيا وضآلتها، ويتجدد شعوره بمعنى الإيمان بالله وعظمته ومحبته سبحانه.

حجّ بيت الله الحرام يختزن أسرار الكون وإعجاز الدين وفلسفة الحياة، ويستنطق إنسانية الإنسان التي تتجلّى بارتفاع نداء الروح وهيمنتها على رغبات الإنسان وغرائزه البشرية الطبيعية، في هذه الرحلة القصيرة، لكنها عميقة في دلالاتها ومعانيها ورمزيتها.

كم نحن بحاجة أن نقرأ الدين (الإسلام) من مشهد الحج في مكة وجبل عرفة ومنى ومزدلفة، كي نستنطق الأسرار والجواهر الدفينة المكتنزة بالقيم والمعاني العظيمة الغائبة عنّا ونحن نمارس صورة الإسلام وطقوسه، بعيداً عن مقاصده وروحه الحقيقية!

ما أجمل ما قاله شاعر الإسلام محمد إقبال:

إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمـانٌ     ولا دُنيا لِمَنْ لم يُحيِ دينا

وَمَنْ رَضِيَ الحياةَ بغيرِ دينٍ     فقدْ جَعَلَ الفناءَ لها قَرينا

وفي التّـوحيد للهِمَمِ اتـحادٌ     ولنْ تَبْنوا العُلا مُتَفرّقينا

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طمانينة الروح في حضرة مكة المكرمة (عمر شاهين)

    الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    في البداية أهنئك أستاذ محمد أبو رمان على أداء فريضة الحج وأؤكد على مقالك " في مكة ترتوي الأرواح " فالاستحضار الروحي في مكة لا المسجد النبوي يتحقق قي مكان آخر ، سيما في فترة الحج حيث يشاهد المسلم الملايين من البشر وقد وفدوا من كل فج عميق وتحدو المسافة والمرض وصعوبة الكهولة كي يقفوا ملبينن لله سبحانه وتعالى.
    في كل عام أتمنى من الله أن يرزقني الحج ولم أحصل على هذه الأمنية التي يتمناها كل مسلم ، فمنذ كنا صغارا ونحن نشاهد ذلك المشهد الذي لا يتكرر سوى مرة في العام أثناء وقوف الحجيج فوق جبل عرفة ، وندعوا الله أن نقف في نفس المكان في العام القادم.
    لم أكن اتوقع أن لمكة هذا الحضور الروحي حتى تشرفت بزيارتها عبر أداء سنة العمرة هذا العام ولم أكن أشبع من رؤية الكعبة المشرفة قبلة المصلين وهي تحاط بالناس ليلا نهارا حتى أن الوصول للحجر الأسود يكون في غاية الصعوبة وأفواه المؤمنيين تحيط به كي تقبل ذلك الحجر الذي قبله رسول الله . وأنا أشكر الله الذي انعم بهذا الدين الحنيف المستقيم على أولئك البشر متغلبين على ما وجههم من صعوبات كي يصلوا لهذه البقعة المقدسة فقط لينالوا أجر الصلاة الذي يتضاعف لمئة ألف ضعف ويؤدون فريضة العمرة والحج . ويشتاق المؤمن ليجلس فوق كل حجر بمكة او المدنية ويتذكر خطوات النبي والصحابة والكرام ويشعر أنه يعيد قراءة السيرة والأحاديث التي تخص تلك الأمكنة .
    في مكة تشعر بطمأنينة داخلية عجيبة لم تداهم قبل تلك الساعات ولن تتكرر معك في مكان آخر ، وأنت تشاهد الطواف وتشاهد أخوتك المسلمين وقد وفدوا ليشعروك أن الاسلام في كل مكان ما زال يتواجد وينبض في كل بقاع العام وهناك من يكبر باسم الله خمس مرات ، تشعر بوحدة تقطع كل الاسلاك الشائكة التي صنعتها ـأسلاك الحدود .
    حقا لم أكن اتوقع أن مهما وصل الإنسان من محبة لله لن يشعر بها مقارنة مع وقوفه في تلك المشاعر العظيمة ،فكيف عندما تصادف أيضا أيام العشر من ذي الحجة وتشاهد ذلك المد البشري وهو ينادي لبيك اللهم لبيك .
    أهنيء كل المسلمين الذين يقفون اليوم على عرفات وأسال اله أن يديم فيهم هذا الحضور الإيماني وألا تكون استشعارات مؤقتة يفرضها المكان فمن يجلس على عرفات يجب أن يطبق عهده مع الله مستذكرا خطبة الرسول في حجة الوداع .