محمد أبو رمان

من السفاح يا غزّة والجلاّد والجاني؟!

تم نشره في الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

كتب المحرر السياسي لموقع جماعة الإخوان المسلمين على الانترنت مقالاً جديداً بعنوان "أجواء جريمة بشعة تخيم على غزة"، طالب فيه الفصائل الفلسطينية بحوار صحّي، معتبراً أنّ أي اقتتال داخلي "لن يكون إلاّ لصالح العدو"، ومشدّداً أنّه "لا بديل عن الوحدة الوطنية الفلسطينية".

للأمانة، وعلى الرغم من الرحم الأيديولوجي والحركي الذي يجمع الإخوان بحماس، فإنّ البيان جاء متوازناً رفيعاً في لغة الخطاب، بعيداً عن تجريم وتخوين واتهام أحد الأطراف بالعمالة والتسبب بكارثة غزة.

أهم ما في المقال، وهنا بيت القصيد، أنّه يفصل بين الإنساني والسياسي. فثمة كارثة إنسانية، مرشّحة للارتفاع في كلفتها الكبيرة على المواطنين والمدنيين والأبرياء تعيشها غزة اليوم تقتضي من الجميع تنحية الصراعات السياسية والخلافات الفكرية ومنطق الشتم والاتهام والتركيز على رفع المعاناة عن الغزيين.

فالمولود الذي "ازرقّ" في الخداج بسبب انقطاع الكهرباء أمام عيني أمه، والمريض المخطر الذي يعاني من انقطاع الكهرباء، والأحياء المهددة بكارثة بيئية بسبب مياه الصرف الصحي.. هذه الحالات، وغيرها، لا يجوز بأي عرف من الأعراف أن تتحمل تبعات الحصار الإسرائيلي لغزة، ولا يجوز أن تدفع كلفته الباهظة، وهي القضية الرئيسة في خطابنا للرأي العام العربي والعالمي.

للأسف، فإنّ أغلب السجال الإعلامي والسياسي الحالي، على الصعيد الفلسطيني والعربي، ينحو إلى الخلط بين السياسي والإنساني، بل إن كثيرا منه يوظف المعاناة الإنسانية في سياق حملات التخوين والاتهام المتبادلة بين الطرفين، ومحاولة تجيير "المأساة الإنسانية" الحالية لصالح طرف ضد آخر، وهذا أسوأ وأبشع أنواع السجال، إذ إنّه باختصار يهدر قدسية الحياة الإنسانية والحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني لمصلحة "عصبويات" حزبية وسياسية يفترض فيها أن تخدم المجتمع لا أن تحطّمه.

المفارقة أنّ تلاشي المعنى الإنساني للكارثة الفلسطينية يطغى حتى على الحوار داخل المجتمع، وبين الفئات المختلفة. ويمكن أن تلمس ذلك بوضوح في تعليقات القرّاء، التي نقرأها على مواقع النت، حيث يتراشق المعلقون الاتهامات وإسباغ صفة "الشيطنة" على طرف و"عصمة" الطرف الآخر، من دون الاعتراف بالمسؤولية الجمعية (فلسطينياً وعربياً) عمّا آلت إليه الحال من مرور الجريمة الإسرائيلية بصمت دولي رهيب، ومن دون الالتفات أنّ مآلات هذا الصراع - أيّا كان المسؤول- ليست إلاّ في صالح إسرائيل، حتى على صعيد الرأي العام العربي والعالمي.

فهل من أحد التقط الانخفاض الواضح في منسوب تعاطف الرأي العام العالمي مع غزة، على الرغم من بشاعة الجريمة؟ هل يعقل أن تمر العقوبات الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد مليون ونصف مليون من البشر من دون أن تجد حركة تضامنية عالمية معها، بالمقارنة بسنوات سابقة.

الصراع الفلسطيني والسجال السياسي والإعلامي العقيم ألقى بظلاله - كذلك- على حركة الشارع العربي، الذي يبدو ساكناً سلبياً تجاه ما يحدث، من دون أي محاولات للضغط على حكوماته للعمل على رفع الحصار عن القطاع والتخفيف من معاناة الناس.

كم أهدر الفلسطينيون والعرب من شرعية القضية الفلسطينية وإنسانيتها، بسبب سوء إدارة الصراع والنكوص نحو المستويات الدنيا من المصالح المحدودة على سلطة وهمية.

ثمة عمل كبير يمكن القيام به إعلامياً وثقافياً ومجتمعياً لدعم أهل غزة ومساعدتهم، وتوثيق معاناتهم وأبعاد الجريمة الإسرائيلية. أما إذا بقينا ندور في سجالات عقيمة، فلا نلوم إلا أنفسنا، لأننا سنكون نحن – بالفعل- الجناة بحق غزة وجلاّديها الذين لا يرحمون!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حوار لتجديد البيعة أم حوار لحل وطني (م. أحمد)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    من يرفض الحوار الحقيقي و الجاد يا عزيزي هو عباس و فريق رام الله، لماذا ظل الحوار معطلا الى حين انتهاء فترة رئاسة عباس؟
    حماس لا يمكنها ان تعطي صكاً على بياض يفوض عباس ان يفرط بالارض و الحقوق
    الأمر الآخر يا عزيزي أن الذي يحاصر غزة قبل الصهاينة هم العرب ... فأي ضمير وطني أو انساني يقبل ذلك ؟
  • »السيد سليم الرقاد (عربي)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    وصفك لحماس بأنهم إسلاميون لهي شهادة منك على نزاهتهم.
  • »السيد سراج منصور يحامي عن حماس بالباطل (سليم الرقاد)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    لا أعرف هل السيد سراج منصور يعيش على نفس الكوكب الذي نعيش فيه أم أنه يكتب إلينا من مجرة أخرى

    الذي يتهرب بل ويرفض الدخول علانية وصراحة في جولات الحوار الفلسطيني هي حماس وليس الرئيس أبو مازن
    والذي يرفض رفضا قاطعا فكرة الاحتكام للشعب الفلسطيني وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تحت اشراف دولي هي حماس أيضا وليس أبو مازن

    لكن الإسلاميين كعادتهم لا يحبون أن يواجهوا أنفسهم بالواقع وبأخطائهم وخطاياهم ويمارسون ما يعرف بالـ Wishfull thinking أي التفكير الرغبوي

    والذي يتسبب بحصار غزة هي حماسك أيضا يا سيد سراج منصور لأنها ترفض عودة موظفي السلطة والاتحاد الاوروبي لإدارة معبر رفح كما كان عليه الحال قبل انقلابهم ويصرون على ان تدير مليشياتهم لوحدها هذه الحدود ، حماس تستطيع رفع الحصار في 24 ساعة لكن هدفها ليس كذلك أبدا بل السيطرة على المعابر.
  • »غزة و الضفة حصار متواصل و حياة بلا امل (بانا السائح)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    عزيزي الكاتب, بينما أقرأ كلماتك التي لا تخلو من الالم على الحالة الانسانية المتردية في قطاع غزة اتسائل ان كان الوضع الانساني في الضفة الغربية هو أفضل من غزة. لا اقصد بالطبع التقليل من المعاناة الكبيرة التي يعيشها أهل القطاع و لكن ما يدور في ذهني أن اسرائيل بينما توجه الانظار الى غزة من حيث اغلاق المعابر و قطع الامدادات الغذائية عن القطاع تشهد الضفة حملة شرسة من اسرائيل. التقارير المختلفة لحقوق الانسان تتحدث عن زيادة عدد الحواجز العسكرية بين مدن و قرى الضفة مما يمنع المواطنين من مزاولة عملهم و يحول ايضا دون وصول الطلاب الى جامعاتهم, الخليل تنزف من عنجهية اربعمئة مستوطن يحولوا حياة المواطن الى جحيم و عذاب متواصل. أما الوضع في القدس الحزينة فلا يمكن أن استطيع وصف ما تتعرض له هذه المدينة المقدسة من هجمة استيطانية واسعة غييرت الكثير من طابع المدينة و أضفت الصبغة اليهودية عليها بقوة. قد ابدو سوداوية في ما وصلت اليه من افكار و لكن الحال في غزة و الضفة هو حال لا يدعو الى التفاؤل و الامل. أجيال تكبر و هي تعيش النكبة بشكل يومي و متواصل بلا رحمة. اسرائيل تحاول قتل الروح داخل كل فرد يعيش الضفة و غزة..اسرائيل ترتكب جريمة حرب كل يوم من حيث حرمان الناس من كل الوسائل التي تتطلب حياة كريمة بالحد الادنى..اسرائيل تزرع مبادئ العسكرة و العنصرية في أطفالها من خلال مناهج مدرسية تكاد تخلو من معاني التسامح و احترام الاخر و تطور هذا النهج العنصري في نواحي الحياة الاخرى...و كل هذا و نحن لا نزال نطالب بفك حصار و فتح معابر و ادخال أغذية و ادوية. فلسطين معروفة بالتربة الخصبة و الارض الغنية و هذا يعني ان أهلها لا يحتاجوا الخبز و لا الماء بل هم في امس الحاجة الى الحياة الكريمة التي تكفل حرية التنقل و العمل و التواصل و طلب العلم...هذا ما يحتاجه أهل الضفة و أهل غزة..
  • »اين الجواب ؟ (سراج منصور)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    مقال موزون ومنطقي لكن لم تجب استاذ محمد عن السؤال الذي وضعته كعنوان لمقالك والمشتق من انشودة قديمة تقول "سطور النار يا بيروت في تاريخ لبنان من السفاح يا بيروت والجلاد والجاني"

    برأي البسيط ان السفاح والجلاد والجاني هو فريق اجتمع واتفق على قتل غزة ...
    هذا الفريق :
    1- العدو الصهيوني المجرم
    2- السيد الأمريكي بإعطائه الضوء الاخضر للحصتر ولما يوفره من دعم مالي ومعنوي للعدو
    3- السلطة الفلسطينية : التي أقفلت باب الحوار وبات هم السيد ابو مازن ان يبقى رئيسا للسلطة ولو كان الثمن "أطفال غزة"
    4- النظام العربي المتخاذل الذي يشارك بالحصار ويدمر الانفاق ويمنع الطير من المرور الى غزة .

    هذه وجهة نظري كجواب للسؤال الذي طرحته ولم تجب عليه راجيا منك احترامها ونشرها ..
    وشكرا
  • »إقتراح (يزن)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    أشكر للكاتب هذا الطرح،اقيم في

    إحدى الدول الغربية، و متزوج من مواطنة في هذا البلد، زوجتي لا تكاد تصدق ما يحدث، مع أنها لم تغادر بلدها بإتجاه الشرق الأوسط مدى حياتها! لا أجد أي إجابة مقبوله، و بصراحة لا أجد الإجابه.

    يتصارعون على كراسي وهمية، و سلطة متخيله، لم تسمح لرئيسها السابق بالمغادرة ليموت إلا بإذن الإحتلال.

    زوجتي سألتني سؤال أوجه لك و للإخوه القراء: ( ما يحدث في غزة من البشاعه بقدر يقترب من الجرائم ضد الإنسانية، لماذا لا يقوم بعض المسؤولين أو الدول العربية بإفتتاح متحف في الدول الغربية - أوروبا تحديدا، لصعوبة إفتتاح متحف في أمريكا بالمقارنة بأوروبا - يؤرخ ما حدث و يحدث في فلسطين في القرن الأخير؟

    أعلم أن الطرح الملح الآن هو إطعام جياع غزة و مداوة مرضاهم، و لكننا نخسر الكثير بطريقة إدارتنا للصراع مع المحتل في أكثر القضايا العادلة

    مع تحياتي