جمانة غنيمات

دفء الفقراء وصقيع الجشع

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

يعكس استطلاع الرأي، غير العلمي، الذي أجراه موقع "الغد" الإلكتروني حول دور الحكومة في نقص الكاز من محطات الوقود، استياءً شعبيا لا تخفى دلالاته، إذ أجاب نحو 62% من 1696 من المصوتين بأن الحكومة لعبت دورا في تفاقم هذه المشكلة، فيما رأى 28% أن لا علاقة للحكومة بهذه المسألة.

الغالبية العظمى أكدت ضلوع الحكومة في هذه المشكلة. ومن المرجح أن هذا الحكم جاء مدفوعا بتعويل المصوتين على الدور الحكومي الذي يتمثل في حماية المواطن وتحقيق الرقابة على السوق لضمان توفير كل سلعة تحتاجها الأسر، لا سيما سلعة استراتيجية كمادة الكاز التي تغدو أكثر حيوية حينما يغزو البرد المفاصل ويقض المضاجع التي لا ينقصها القض.

بيد أن "صمت" الحكومة لم يطل، فأمس وبعد أيام على امتداد أزمة اختفاء الكاز، لجأت الحكومة إلى أساليب غير اقتصادية لإجبار أصحاب المحطات على طلب هذه المادة من خلال تحويلهم إلى الحكام الإداريين والمحافظين للضغط عليهم كسبيل لحل هذه المعضلة.

ويعكس الحل الذي توصلت له الحكومة لإنهاء أزمة امتناع المحطات عن طلب مادة الكاز تعنت اللاعبين في السوق وعدم تنازلهم ولو قليلا في سبيل تحقيق هدف نبيل لا يتعين أن تتدخل فيه حسابات الربح والإثراء.

على أن الأمر ينطوي على تفاصيل وحيثيات مدهشة، فمن ناحية أصر أصحاب المحطات على عدم توفير هذه المادة. كما أن المصفاة لم تبادر هي الأخرى إلى تقديم حلول وسط، وبخاصة أن الكاز يعد، وفق المقاييس العالمية، مادة غير مستخدمة في أرقى مصافي العالم، ويقتصر استخدامها على مصافي دول المنطقة، فضلا عن أن العالم شرع يتخلى عنها بعد أن تطورت أساليب التدفئة التي صارت تعتمد على السولار أكثر من أي صنف آخر.

هذا يعني فيما يعنيه أنه كان بإمكان المصفاة التنازل ولو قليلا عن جزء يسير من الأرباح التي تجنيها من هذه المادة والتي لم تكن لتتوفر لو كانت هذه المصفاة في بلد آخر.

لا أحد يعلم فيما إذا كانت مشكلة توفر مادة الكاز التي ازداد الطلب عليها ستعاود الظهور مرة أخرى الأسبوع المقبل، في ظل توقعات بتخفيض الأسعار للمرة السابعة، تبعا لخطة حكومية تعتمد التسعير الأسبوعي.

ولا أحد يدري، فطالما أن أصحاب المحطات ومصفاة البترول والحكومة لم يتوصلوا لآلية تضمن توفر أي نوع من المشتقات النفطية وتم اعتماد أسلوب الإجبار والتهديد لحل المشكلة التي استمرت لأيام، فإن ضمانات نجاح هذه الطريقة غير مؤكدة، ولا ينبغي التعويل عليها.

في غمرة ذلك، فإن العيون تراقب أسعار النفط التي تراجعت خلال الأسبوع الحالي لأدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات. وتتوقع بعض التقارير الدولية أن تواصل الأسعار هبوطها لتكسر حاجز الخمسين دولارا في الفترة المقبلة، ما يعني أن قرارات التخفيض ستتوالى تباعا، الأمر الذي ربما يدفع بأصحاب المحروقات إلى ابتداع طرق للتلاعب والمراوغة في سبيل التنصل من توفير هذه المادة.

التخفيضات المرتقبة تضع الإجراء الحكومي على المحك، إذ يتوقع أن تشهد أسعار المحروقات انخفاضا جديدا تتراوح نسبته بين 4 و 6%، بعدما بلغ متوسط سعر البرميل خلال الثلاثين يوما الماضية حوالي70 دولارا.

إن وضع حلول عملية وشفافة، وفق آلية تضمن رضا جميع الأطراف وتحد من طمع أصحاب المحطات، بات أمرا ضروريا. ولا أرى أن من مصلحة الحكومة أن تغض الطرف مستقبلا، أو أن ترتخي قبضتها وهي تردع من يعرض دفء الفقراء لصقيع الأرباح الجشعة والسريعة.

jumana.ghnaimat@alghad.jo

التعليق