إبراهيم سيف

هل هي نهاية الرأسمالية؟

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

سارع البعض الى نعي الرأسمالية كنظام اقتصادي على خلفية الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة وما لبثت أن انتشرت لتصل الى أسواق العالم من اوروبا الى آسيا وصولا الى أسواق الدول العربية والخليجية على وجه التحديد.

انتشار العدوى وبالسرعة التي حصلت جعل استيعاب ما يجري مسألة صعبة، فدول الخليج مثلا تعيش فترة انتعاش غير مسبوقة بسبب ارتفاع أسعار النفط وعوائده، وبالنظر الى أساسيات النمو والاقتصاد، لا يوجد ما يبرر هبوط الأسعار أو التخوف من عدم قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها. ولا يختلف الحال في الاردن عما هو عليه في تلك الدول بشكل نسبي؛ ومع ذلك تراجعت أسعار الأسهم بشدة ولا زال التشاؤم سيد الموقف.

في الصين واليابان تراجعت اسعار الأسهم بنسب تجاوزت 30 في المئة منذ بدء الأزمة، رغم أن تلك الدول، هي دول فوائض مالية كبيرة، ومستثمرة كبيرة في الأسواق العالمية، ولم تصل عدوى الأسواق المالية العالمية الى قطاعاتها الحقيقية، لكن التخوف من التراجع هو الذي قاد الأسهم الى التراجع ورافق ذلك الكثير من التوقعات التشاؤمية. وذات السيناريو ينطبق على أوروبا.

المشكلة الحقيقية ليست في هذه الدول، بل تكمن في الولايات المتحدة، وتحديدا في حجم الاستهلاك الكبير في أميركا التي تستهلك أكثر مما تنتج، ويظهر هذا بشكل واضح في العجز في الميزان الجاري الذي يحسب الفرق بين صادرات السلع والخدمات والمستوردات منها، والعجز في هذا الميزان يجبر الدول على اتخاذ إجراءات لتغطية هذا العجز، لكن الولايات المتحدة لم تحتج في الماضي الى اللجوء الى سياسات لتقييد الاستهلاك وذلك لأن بقية دول العالم ذات الفوائض المالية (الصين واليابان ودول الخليج) كانت راغبة بتمويل هذا العجز حفاظا على استمرار الاستهلاك، حدث هذا من خلال الاستثمار في الولايات المتحدة وشراء سندات الخزينة، ومكن هذا أميركا من الاستمرار بنمط استهلاكي غير قابل للاستمرار،   وشجع توفير السيولة الرخيصة على رفع الاسعار بالنظر الى أن رجل الشارع العادي لم يكن يرى أن الأزمة مقبلة.

فما الذي يعنيه هذا بالنسبة لنظام الاقتصاد العالمي، وهل يعني أن آليات التمويل والاستثمار ستتغير، هل سيشهد العالم ردة عن الاستثمار في الولايات المتحدة، وهل سيتم إيجاد نظام اقتصادي جديد؟

مما نشهده من حوارات، لا يوجد  فكر اقتصادي بديل يقوم مقام المبادرات الخاصة والقطاع الخاص لتحقيق التوازن والنمو في المجتمعات، والحديث ليس أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي, بل أزمة إدارة النظام والمتمثلة بغياب الرقابة الفعالة والكافية لضمان أن لا يقود جشع القطاع الخاص الى أزمات مماثلة، والحديث عن الدور المتجدد للدولة في إدارة الاقتصاد يتعلق بالدور الرقابي أكثر مما يتعلق بدور المستثمر، والحديث عن التأميم يأتي في سياق الأزمة الحالية وليس من قبيل تغيير الفكر الاقتصادي السائد، وللتذكير فإن النموذج الصيني، هو نموذج رأسمالي تقوده الدولة ولا يمثل نهج التخطيط المركزي وهو قائم على مبادرات القطاع الخاص، وفي اليابان كذلك هناك رأسمالية تقوم الدولة فيها بدور الرقيب فيها،  ولم يمنع ذلك من دخول البلاد في ركود امتد نحو عقد كامل، أما أوروبا فيسود فيها رأسمالية اجتماعية. كل تلك النماذج لم توفر الحماية لتلك الدول من تداعيات الأزمة التي سببتها أميركا.

النموذج الأميركي من الرأسمالية هو الذي تعرض لهزة شديدة، مما يعني أننا بحاجة الى نموذجنا المتوائم مع خصوصيتنا، وهذا هو الدرس الأبلغ من هذه الأزمة، أما نعي الرأسمالية فهو  سابق لأوانه بكثير.  

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق