الأردن وسورية وما بعد الانفصال (1961)

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

وثائق بريطانية

       تحدثت في مرات ماضية عن الانفصال (1961) يوم انفصلت سورية عن مصر وكانت الدولتان تشكلان دولة واحدة هي الجمهورية العربية المتحدة وتلقيت ملاحظات شفوية سأدون بعضها في هذا المقال. وفي هذه المرة سوف استعرض ماذا جرى بين الأردن وسورية إذ أن الأردن كان سباقاً للاعتراف بالنظام الجديد على عكس موقف  بريطانيا التي وعلى عكس ما يظن الجميع أنها مع الانفصال فقد كانت ضده كما تبينا في المرات الماضية.

      وفيما يلي مضمون البرقيات الصادرة من السفارة البريطانية في عمان مع وزارة الخارجية مع تعليقي وتوضيح ما يريد توضيحاً.

برقية السفارة من عمان إلى لندن:

      في برقية مرسلة يوم 2/12/1961 من السفارة البريطانية تحت عنوان (سري) اشارة مهمة جداً أن الحكومة الأردنية لم تتوفق في التقارب مع سورية بعد الانفصال. وتركز البرقية أن الهجوم على جمال عبد الناصر في الحملات الإذاعية الأردنية حول سورية أحرج النظام السوري الجديد الذي لم يرد أن يظهر أنه على عداء مع عبد الناصر أكثر مما هو مطلوب. كان الانفصاليون كما تقول البرقية يريدون أن يظهروا بمظهر الصديق للجميع وعندما ظهرت الحملات الأردنية الإذاعية تجاه مصر بتلك القوة فإن السوريين ظهروا بمظهر أكثر استقلالية عن الأردن.

      وتقول البرقية إن (الإشاعة الرائجة أنه القي القبض على العقيد حيدر الكزبري (من قادة الانقلاب) وهذا يعني أن شقيقه مأمون الكزبري سيُطرد بدوره وأن هذا يؤثر على موقف الأردن تجاه حكومة الانفصال…وسواء كانت الإشاعة صحيحة أم غير صحيحة فإن ما أثر على العلاقة بين البلدين بعد الانفصال هو حادث يرتبط بالتاجر صبحي الجلبي وكان يسافر بكثرة بعد الانفصال ما بين عمان ودمشق..

      ارتبط صبحي بعلاقة مع رئيس الوزراء الأردني وعندما زار مأمون الكزبري عمان في صيف 1961 فانه ظهر كأنه (محام) لهذا التاجر والذي وجهت إليه اتهامات أنه كان على علاقة بعبد الحميد السراج (وزير الداخلية السوري الأسبق) وهذا الحادث أحرج الحكومة الأردنية… وتذكر البرقية نقلاً عن سياسيين أن توجهات الضباط الجدد في سورية نحو حزب البعث قوية… وأنه إذا لم يصبح الكزبري رئيساً  فإن فرصة ناظم القدسي قوية.

      وهكذا كما تقول البرقية فقد تراجع اندفاع الأردن وتوجه نحو عدم التدخل في الانتخابات المزمع إجراؤها في سورية. وفي يوم الانتخابات 1/12/1961م أغلق السوريون الحدود الأردنية واللبنانية من دون إعلام سلطات الأمن الأردنية وتقول البرقية إن هذا مؤشر على خوف السوريين من تدخل الأردنيين في الانتخابات.

ملاحظة: لاحظنا في هذه البرقية أن شبح السراج ظل يطارد الانفصاليين الجدد وأن واحداً من الاتهامات للتاجر السوري الذي كان يتحرك بين عمان ودمشق أنه من جماعة السراج.

السراج كان موضوعاً مهماً في البرقيات:

      لاحظت في برقية سرية صادرة من السفارة في عمان يوم 4/ نيسان 1961 قبل الانفصال بخمسة أشهر حديثا مهما عن السراج إذ تذكر البرقية أن للسراج دورا مزدوجا… مثلاً هو أمام سيده في القاهرة (تقصد جمال عبد الناصر) كان ثقة ويؤدي واجبه بإتقان ولكن في سورية فإن دوره مختلف ولم يكن له أصدقاء في سورية وكان البعثيون ينتقدونه وبخاصة بعد تدهور علاقات البعثيين مع عبد الناصر. وتقول البرقية أن علاقاته لم تكن جيدة مع وزيري الشؤون الاجتماعية والعمل والاقتصاد (أكرم حوراني وجادو عز الدين) وأن علاقاته مع عبد الحكيم عامر لم تكن جيدة… وفي خريف عام 1960 عندما فتح عبد الحكيم عامر الباب للملاحظات في سورية تلقى آلاف الشكاوى ضد السراج وأبلغ عبد الناصر بها ولم يعد عبد الحكيم إلى سورية إلا بصحبة عبد الناصر. وتذكر البرقية أن السراج كان يعمل على عدم تحسين العلاقة بين الجمهورية العربية المتحدة والأردن وأن الملك اشتكى لعبد الناصر حول ذلك… وتقول البرقية لو صح أن هناك رسالة من الملك لعبد الناصر (أو لم يكن) حول السراج فإن معاملة عبد الناصر للسراج لم تتغير… وظهر السراج إلى جانب عبد الناصر في صور السراج التي أخذت عند زيارة عبد الناصر في نيسان 1961… وتقول البرقية إن من صالح جمال عبد الناصر أن لا يتمتع السراج بشعبية عند السوريين… وكل قوة للسراج في الحكومة تأتي من علاقته بعبد الناصر.

      على المستوى السوري حاول السراج أن يجعل من نفسه زعيماً وطنياً ونشرت الصحف السورية صور السراج يومياً بأمر منه.

      وبالرغم من الشكاوى ضد السراج فإن عبد الناصر لم يجد أفضل منه لتنفيذ سياسته في سورية وخاصة تلك التي تكون لها ردود فعل وتؤثر على شعبية الرئيس جمال عبد الناصر.

       وقد حدثني الأخ نذير رشيد بعد أن اطلع على المقال السابق المنشور يوم الجمعة الفائت أن السراج خرج غاضباً من مصر وأن علاقاته كانت قد ساءت قبل ذلك مع عبدالحكيم عامر وأنه أي السراج لم يكن مرتاحاً من جمال عبد الناصر ونلاحظ أن المصريين أخطأوا في التفريط في السراج وأن الانقلاب حصل يوم 28/9 بعد أسبوعين فقط من استقالة السراج وعودته لسورية إذ غادر السراج مصر يوم 12/9/1961.

      كما كان للسراج دور كبير في الانفصال من حيث أنه عندما أصبح نائباً للرئيس جمال عبد الناصر في مصر فإنه لم ينجح في نقل صورة الوضع لعبد الناصر وضرورة إلغاء قرارات وأنظمة تأميم وقوانين اشتراكية تضر بالتجار السوريين. ولا غرابة ان تشير الوثائق لدور بعض التجار الكبار في دمشق في دعم الانقلاب.

      وكما تقول الوثائق فإن السراج كان ينفذ ما يريد عبد الناصر ولكن يبدو أن السراج غضب من عبد الناصر وغادر مصر إلى سورية وهنا يكون له دور غير مباشر في دفع العسكريين الدمشقيين والمدعومين من تجار دمشقيين إلى تنفيذ الانقلاب على مراحل بحيث أعطوا انطباعاً بأن الحركة تصحيحية وقابلوا عبد الحكيم عامر واقنعوه بذلك في وقت كان كل شيء مجهزا بعناية فائقة؛ ذلك أن الكتيبة التي تحرس عبد الحكيم لم يكن لديها (سلاح) !! وما جاءت الساعة الخامسة حتى كان عبد الحكيم يغادر إلى مصر في الطائرة وتبين أن المصريين الموجودين في سورية ومنهم عبد الحكيم كانوا في مستوى تلاميذ أمام ضباط سوريين صغار نسبياً وبكل تأكيد لو كان السراج في صف مصر فإن خبرته كانت ستقف عائقاً أمام الانفصال.

جهود الملك في تحسين العلاقة مع عبد الناصر:

      تلاحَظ في برقيات السفارة قبل عملية الانفصال وفي شهر آذار 1961 أن الملك بذل جهوداً غير عادية في علاقة طيبة مع جمال عبد الناصر وأن هناك تيارات ضد المصالحة في البلدين وفي الأردن تيار يقول للملك انك لا تستطيع أن تعمل (Business) مع جمال عبدالناصر... هناك أصوات في الأردن مثل سمير الرفاعي وموسى ناصر... وهناك من يدعو لعدم الرد على الإعلام المصري إذا قام بالاستفزاز.

 ونلاحظ أن الأردن سعى لمصالحة مع الجمهورية العربية المتحدة بالرغم من وجود تيارات لدى الطرفين لا ترغب بالمصالحة. كما أن الأردن سعى لتقارب مع سورية بعد الانفصال ولكن لم ينجح وأشارت البرقيات لموضوع الإعلام الأردني في تلك الفترة.

دور الإعلام/ حملات غير موفقة:

      كان الإعلام المصري جارفاً تدميرياً إذا أراد. وقد حسب الإنجليز حسابه بعد أن عانوا منه كثيراً ولم تتصد دولة إعلامياً لمصر مثلما تصدى الأردن في تلك الفترة... وهنا لي ملاحظة طالما أن البرقيات أشارت لموضوع الإعلام الذي نشط بعد الإنفصال وهاجم مصر بطريقة أحرجت الانفصاليين السوريين الذي آثروا الاستقلالية عن الأردن. وأشير بدوري لملاحظاتي الشخصية ان الحملة الأردنية الفنية التي صاحبت تأييد الأردن لسورية كانت غير موفقة في الاجتهادات على الإطلاق وأن مستوى الأغاني الوطنية التي أذاعتها إذاعة عمان في تلك الفترة لم تكن مدروسة وأنها جاءت ضعيفة للغاية ومن دون نتائج ولم يكسب الأردن سورية ولا مصر.

      جاء ذلك في فترة كان الإعلام الأردني في عز عطائه وفي مستوى متقدم جداً وكانت تلك الحقبة في تاريخ الأردن بشكل عام حقبة العصر الذهبي للفن والإعلام ولكن في التعامل مع قضية الانفصال إعلامياً فإن المسؤولين إعلامياً فشلوا فشلاً ذريعاً وكان تأثير الإعلام عكسياً.

      وأمام ذلك فإن الملك قاد دفة السياسة نحو العراق وظل الانجليز حذرين من تقارب أردني عراقي على حساب الكويت وأن يهاجم عبد الكريم قاسم الكويت... وكنت قد ذكرت سابقاً أن الإنجليز أرادوا دفع الأردن نحو الكويت وأن مستقبله مع الكويت أفضل من مستقبله مع سورية.

      وأخيراً توجه الملك نحو الداخل وبدأت تظهر فكرة (الوطن النموذج).

الملك وبريطانيا وتقوية الجيش:

      في برقية من السفارة يوم 27/12/1961م إشارات عديدة لحديث طويل جداً مع الملك تم يوم 23/12/1961م، وأن الملك يريد أن يعمل الأردن الدولة النموذج Model State.

 هذا ما جاء في خطابات وصفي التل رئيس الوزراء الأردني لاحقاً وركز على الفكرة.

  وعودة للموضوع فإن البرقية تشير أن الملك طلب مستشارين إنجليز للجيش وكان الإنجليز مترددين حتى لا يقال إنهم يتدخلون في سياسة المنطقة وهم الآن (في تلك الفترة) حريصون على عدم التدخل في مشاكل المنطقة. وبين الملك أنه هو الذي تخلص من (كلوب) ولكن ما يريده  معدات حديثة من السلاح وتقوية الجيش الأردني وبخاصة أنه يقوم بعمليات مثل ردع القوات العراقية على حدود الكويت. وهنا بين السفير أن أي تضحية بالتنمية الاقتصادية تفتح الباب الخلفي للشيوعية في المنطقة.

      والخلاصة أن علاقة الأردن مع مصر تحسنت في عام 1964م قبيل انعقاد مؤتمر القمة في حين أنها لم تسترد عافيتها مع سورية إلا بعد استلام حافظ الأسد الحكم عام 1971م.

      وأخيراً لا بد أن نتذكر دور القراءة الجيدة للسياسيين، فلو قرأ عبدالناصر ما يريده السوريون ولو قرأ الأردنيون جيداً ما تريده الدول العظمى آنئذ ولو قرأ الموظفون ما تريده الحكومة أو صانع القرار لكانت النتائج أفضل.  

abudayeh@hotmail.com

التعليق