الحكم المحلي أساس الإصلاح

تم نشره في الخميس 16 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

مرّ خطاب العرش امام مجلس النواب بمضامينه الوطنية، ذات الحس العالي التي تستهدف تصحيح مسارات مختلة، او تعظيم انجازات وطنية، او إحلال قوى دفع جديدة في مبادرات وافكار كانت قد اطلقت سابقاً، ولم يجر التراكم عليها.

في خطاب الملك أُعيد الحديث عن تعزيز الحكم المحلي ومسألة الأقاليم واللامركزية الإدارية، بعد ان توقفت او أجلت او جمدت مبادرة الاقاليم الادارية التي طرحت سابقاً، وشكلت لأجلها لجنة متابعة عليا، والسؤال هنا ما معنى عودة طرحها من جديد؟.

المتابع لجغرافيا الجولات الملكية في كل مناطق الاردن، بادية ومدنا ومخيمات وقرى، ربما يعتبر ان تلك الزيارات من ضروب سياسة المُلك، لكنها في زاوية غير مرئية تعبر اكثر من ذلك، فعبر عشر سنوات من التجربة الثرية والتراكم في العمل الذي تجري متابعته بشكل دقيق، استشعر الملك ان جلّ مطالب الناس بسيطة، ويستطيع اي متصرف او محافظ او مدير تربية او صحة او امين عام وزارة ان يحلها، لكنها في الغالب لا تحل، وهي بذلك تعبر عن أزمة في معنى الوظيفة العامة وفي ادارة الناس، ما يستدعي ان يقوم الملك بالرصد والتحديد للأولويات ومتابعة تنفيذها لأنها لو تركت لمديري الداوئر او المحافظين لباتت في الأدراج دهراً بحجة انتظار التعليمات او القرارات او الميزانية.

المحافظون أو الحكام الإدرايون، كانوا تلقوا دعماً من قبل الملك بتفويضهم وتمكينهم بالكثير من الصلاحيات وكانت مبادرة الملك في عجلون عام 2002 في تعزيز دور الحكام الاداريين مؤشرا واضحاً على طبيعة الدور الذي يجب عليهم ان يقوموا به تنموياً، وكان ينتظر منهم ان ينزلوا للميدان وان يحدثوا مقاربة جديدة لنمط يستحقه الاردن من الحكم الرشيد، في ظل رؤية سابرة لحال الناس تعززها زيارات متكررة للملك، وكانت في كل مرة تكشف عن وجه جديد من الخلل.

عندما طرحت فكرة الحكومات المحلية، كانت هناك فكرة لتأسيس وحدات اقتصادية في دور الحكم المحلي، على ان تعضدها رؤى المجالس الاستشارية المحلية، وكان يجب ان يختار المحافظون وفق مؤهلات تضمن تنفيذ رؤى الملك، عبر إعادة الاعتبار للفرد قيمة وخيار تنمية في المربع الأول لمسار التنمية المستدامة، لكن ما أسس عليه آنذاك مايزال " قيد الحفظ".

نماذج كثيرة تقف شاخصة اليوم على حصيلة الزيارات التي يقوم بها الملك في المناطق المختلفة ومنها مستشفى الرمثا، ومستشفى غور الصافي، وتوسعة مستشفى البشير والامر ببناء مستشفى جديد في الزرقاء، وصيانة العديد من المدارس وبناء مراكز شبابية، ومشاريع اسكان الفقراء، وغيرها مما نفّذ في وقت قياسي وبجودة عالية، وهي انجازت بقدر ما تبدو اليوم مكتسبات مناطقية بقدر ما تكشف عن  ابتعاد المسؤول العام عن تنفيذ آمال الناس، وهو ما نجحت به مبادرات الملك، التي ارتقت بانسانية الإنسان الاردني عبر اصغاء الملك المستمر لمطالب الناس وتحقيق مطالبهم الخدمية في الصحة والتعليم، وعبر التخفيف عن كاهلهم في مسألة الذهاب دوما للعاصمة لينشدوا الحلول وعبر حل مشكلة البطالة بخلق ثقافة عمل جديدة لدى ابنائهم والارتقاء بطموحاتهم...الخ.

صحيح أننا في الاردن لسنا بحجم مصر وضغطها السكاني او حتى سورية، ولسنا في حالة انفلات لا قدر الله في بنية الجهاز الاداري كآخرين، لكن ما نحتاجه ان يتخلى المحافظون ورجال الإدارة العليا عن أجواء مكاتبهم  وان يتركوا  تبني قضايا تقليدية، واذا كانوا غير قادرين فليجرِ التمعن جيدا ببدائل شابة، تتجاوز ما هو موجود وتسير جنبا إلى جنب مع رؤية الملك للحكم المحلي او لمبدأ اللامركزية الذي هو أسّ الاصلاح منذ مائة عام عندما طالب به النواب العرب في الزمن العثماني.

اعادة طرح الملك مبدأ اللامركزية معناه ضرورة العودة إلى الداخل، والاصغاء لمطالب الناس والاستماع إليهم، دونما افراط بالتفاصيل التي تعيق العمل احيانا، لكن اللامركزية -بحيث لا يحتاج الناس مراجعة العاصمة في كل امر- تتطلب وعيا بالمستجدات والتحديات، وأن يأتي الحكام الاداريون بمشاريع تنموية وباحثين مختصين، وتتطلب من وزير الداخلية التقاط الاشارة الملكية الداعية لتعزيز مبدأ الحكم المحلي جيداً.

عودة للسؤال المسبب الذي بنينا عليه الحديث في عودة طرح مسألة الحكم المحلي، نقول إن الملك أسّس لنمط جديد في الحكم سواء محلياً او في علاقتنا مع القوى العالمية، ويحتاج هذا النمط ان يرتقي الوزراء إلى مصافه، حتى لا يكون هناك تذكير ثالث بتعزيز الحكم المحلي الذي يعبر عن السياق العام لمرحلة جديدة من الاصلاح، فالملك يراقب مدى الاستجابة والتفاعل مع الافكار التي يطرحها.

[email protected]

التعليق