د.أحمد جميل عزم

حتى تبقى الجامعة جامعة

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

غني عن الذكر أنّ التعلم العالي من أهم مظاهر النجاح التنموي الأردني خصوصا إذا ما قارنا مخرجات هذا التعليم بالدول المحيطة، وإذا قارنا الوضع الراهن بما كان عليه قبل نصف قرن. ومما يدعو للفخر أن نجد من خريجي مرحلة البكالوريوس من الجامعات الأردنية، ومن دون التطرق لأسماء محددة قد وصلوا مواقع رئاسة الحكومة ورئاسة الجامعات الأردنية، وأن نجد من تخرج من الجامعات الأردنية من أردنيين وغير أردنيين يعملون في مواقع مهمة حول العالم، ومن دون التطرق للأسماء أيضا يمكن الإشارة لحالات بعينها يتولى فيها خريجون من مرحلة البكالوريوس في الجامعة الأردنية رئاسة أقسام وكليّات في بعض أهم جامعات العالم على الإطلاق وذلك بعد إتمامهم دراساتهم العليا في الغرب. كما باتت جامعاتنا قبلة للطلاب العرب، وباتت صناعة اقتصادية مهمة تستقبل الطلبة من الخارج وتصدّر الكفاءات العلمية الأردنية للعمل حول العالم. ولكن هذا كله لا يلغي التحديات التي تعيشها الجامعات الأردنية، ولا تلغي أن التطور الكمي في الجامعات، يفرض بالضرورة تحديات نوعيّة عديدة.  

إحدى تبعات تعددية الجامعات، هو تراجع دور الجامعة كمكان للانصهار الوطني بين أبناء مختلف المناطق والأصول والمنابت، فبعد أن كان أبناء المدن والقرى يتركون مكان ولادتهم وإقامتهم لأغراض الدراسة الجامعية، وكان الطلبة فيما مضى يستخدمون عبارة مثل (الجامعة جامعة) للدلالة أنّ الجامعة تجمع أبناء الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة باختلاف خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية والأخلاقية والجغرافية وباختلاف لهجاتهم وحتى أزيائهم أصبحت الدراسة "قرب البيت" متاحة بشكل كبير.

استراتيجيات التعليم المعتمدة والمعلنة للاطلاع أمام المراقبين تضمنت إشارات عابرة من نوع "تشجيع الطلبة للدراسة خارج محافظاتهم"، ولكن لا يوجد ما يشير لخطط فعليّة لتحقيق ذلك. وباعتقادي أنّ جزءا من المشكلة يكمن في قضية عدم ترسخ أهمية التمييز بين مستوى جامعة وأخرى، ومستوى خريجي جامعة وأخرى، بل إنّ التنافس بين الجامعات يبدو فكرة مرفوضة، ويتم حصر ضمان جودة التعليم بالمتابعة الرسمية للالتزام بمعايير الاعتماد الجامعي. فمثلا تشير ورقة عمل قدّمها عدد من المختصين في منتدى حول التعليم العالي، مطلع العام الفائت، أنّه تم في العام 2001 تنفيذ مشروع ضمان جودة البرامج الأكاديمية في الجامعات الأردنية، وذلك برعاية وتنسيق صندوق الحسين للإبداع والتفوق. حيث دعا المشروع أعضاء الهيئات التدريسية من بعض الجامعات الرسمية والخاصة وتم تدريبهم على إعداد التقييمات الذاتية، ثم دعا مقيّمين خارجيين من وكالة ضمان الجودة في المملكة المتحدة لتقييم تلك الجامعات خارجياً، وبعد ذلك تم إعلان النتائج على شكل تصنيف. ويلاحظ معدو الورقة المذكورة أنّه "بالرغم من أن النتائج كانت غير ممتازة عموماً؛ إلا أنها أثارت جدلاً كبيراً في الوقت التي استغلت فيه بعض الجامعات تصنيفها (الافتراضي) الجيد للترويج".

في الواقع أن تشجيع التنافس على أساس علمي ربما يكون ضروريا. ولا بد أن نتذكر أنّ قائمة أهم الجامعات في العالم هي قوائم تنشر باستمرار وتحظى باهتمام دولي كبير، وبينما لجامعات إسرائيل حضور مهم فيها، بحيث تحتل الجامعة العبرية المرتبة 65 عالميا والرابعة آسيويّا، ويوجد  ست جامعات إسرائيلية ضمن أفضل مائة جامعة في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ، وبينما تتنافس إسرائيل (التي تبعد عنّا خطوات) مع اليابان واستراليا في ريادة جامعات آسيا والمحيط الهادئ لا يوجد للجامعات العربية أي حضور في هذا التصنيف. وعلى مستوى بريطانيا، فإنّ تصنيف الجامعات الذي يتم كل خمسة أعوام وفقا للنتاج البحثي لأعضاء هيئة التدريس في كل كليّة أو قسم فيها يكون خبر الصفحة الأولى في الصحف البريطانية لأيام عدّة. والبداية السليمة لأي طالب يريد الدراسة في أي تخصص هي رؤية التصنيف الذي حصل عليه القسم الذي يريد الدراسة فيه في جامعة ما مقارنة بالأقسام المشابهة في الجامعات الأخرى، وبرؤية تصنيف الجامعة ضمن الجامعات الأخرى. وبالتالي يصبح طبيعيا أن نجد طالبا في أقصى جنوب انجلترا يسعى للدراسة في جامعة ما في شمال اسكتلندا لأنّ هناك قسما متميزا يقدم التخصص الذي يريده، وطبيعي أنّ أرباب العمل يهتمون باسم الجامعة والقسم الذي تخرج منها المتقدمون لشغل الوظائف لديهم.

إضافة للبيئة الجامعية في كل جامعة، والتي يجب تصميمها بطريقة تضمن بقاء الجامعة مكانا لتلاقي العقول والأفراد والمواهب وتفاعلها مع بعضها بغض النظر عن أصولها وحتى جنسياتها، فإنّ هناك استراتيجيات على المستوى الوطني لا بد من تطويرها من دون الخشية من فكرة التنافس الترويجي، لأنّ هذا التنافس يمكن أن يكون مفيدا إذا ما وضع في السياق الصحيح، وبحيث يتنافس الطلاب للحصول على قبول في القسم الأكثر تميزا وفق تصنيفات هيئة مستقلة لضمان الجودة، وبحيث تتنافس الجامعات على الحصول على أعضاء هيئة التدريس الأقدر على رفع تقييم جامعاتهم بواسطة أدائهم التدريسي والبحثي على السواء، وبحيث تتنافس الجامعات على استقطاب أفضل الطلاب وتقديم منح لهم بغض النظر عن مكان سكناهم أو أصولهم وانتماءاتهم الجهويّة، وبحيث تحرص الجامعات على مرتبتها في التصنيف المحلي، وعلى دخول سلم الترتيب على المستوى الدولي.

من هنا فإنّ تطوير هيئة مستقلة لضمان الجودة، إضافة للهيئات المعنيّة بالاعتماد الجامعي، أمر مهم، على أن لا يتم التخوف من فكرة المقارنة بين الجامعات، بل أن يكون التنافس العلمي جزءا من فلسفة هذه الهيئة.

aj.azem@gmail.com

التعليق